#dfp #adsense

المبدأ السيادي بين السبيل والبديل

حجم الخط

 

إنّ احتمال حدوث أيّ ثغرة أمنية في بلد سيادته غير منتَقَصَة هو احتمال ضئيل؛ مع التأكيد على أنّ أيّ خلل أمنيّ يكون على قاعدة التسلل سواء أكان داخليًّا أم خارجيًّا. كما حصل تمامًا في أحداث 11 أيلول في الولايات المتّحدة الأميركيّة أو غيرها من الأحداث في أوروبا أو حتّى في بعض البلدان العربيّة. إلا أنّ المبدأ السيادي هو القاعدة الأولى التي تُبنى على أساسها الدّول، ومن هذا المبدأ بالذات تُستَمَدُّ هيبة مؤسّسات الدّولة. فهل سيستطيع #لبنان بما تبقى فيه من دولة ، استعادة المبدأ السيادي؟ وما هو السبيل إلى ذلك، أو البديل عن ذلك؟

 

لا شكّ أنّ الحدث الأمني الذي وقع في لبنان في أعلى قممه، وفي جنوبه عبر إطلاق الصواريخ المُجَهَّلَة الفاعِل، قد اخترق المشهد السياسي، وإذا كان من ساعٍ أو مُتَعَمِّدٍ لحصوله فهو نجح إلى حدّ ما بحرف الأنظار عن الإشكاليّة الرّئيسَة التي تعتَرِض استعادة المبدأ السيادي. الفرضيّات كلّها متاحة لأنّ الأمن والعدالة والحرّيّة وحتّى السيادة أصبحت نسبيّة في لبنان. وعوضَ البحث في جزئيّات أيّ إشكاليّة، وجب البحث في الأسباب والدّوافع التي تسمح بحدوث هكذا اختراقات.

ممّا لا شكّ فيه أنّ أبرز سبب قد يدفع أيّ مواطن في أيّ صقعٍ من الأصقاع الأربعة على الهجرة من أرض أجداده هو شعوره بالقلق الوجودي، أو عدم الأمان. وهذا الشعور ينتج عندما تغيب هيبة الدّولة عبر مؤسّساتها. وهذا بدوره لا يقع إلا عندما يصبح المبدأ السياديّ نسبيًّا. فلو أنّ الدّولة اللبنانيّة هي سيّدة على ال 10452 كلم2 سيتقلّص احتمال وقوع أيّ خرق أمني. وعندها فقط تستقيم عجلة المؤسّسات فيها، وينصرف الساسة والمفكّرون إلى البحث في كيفيّة تأمين سبل العيش الرّغيد ومقوّمات الحياة الكريمة، إضافةً إلى فرص تطوّر الانسان. لأنّ البلد الذي لا يؤمّن هذه الفرص يدفع بمواطنيه إلى البحث عن البديل.

 

وأهمّ العوامل التي تنتقِصُ من هذا المبدأ هي وجود ازدواجيّة في بنائيّة الدّولة التي تقودها منظّمة حزب الله مع حلفاء لها بتبعيّتها لمشروع تصدير الثورة الاسلاميّة وتحقيقه في لبنان، بحسب ما ورد في كتاب الشيخ نعيم قاسم ” حزب الله النهج والتجربة والمستقبل”، مفسّرًا ما ورد في رسالة الحزب المفتوحة التي وجّهها إلى العالم والمستضعفين في لبنان والعالم سنة 1985 في ص 19 و20 منها حول الدّعوة إلى “اعتماد النظام الاسلامي في الدّولة اللبنانيّة كنظام للحكم على قاعدة الاختيار الحرّ والمباشر من قبل النّاس، لا على قاعدة الفرض بالقوّة كما يخيّل للبعض”؛ فيقول قاسم في ص 41: ” إنّنا منسجمون تمامًا مع قناعاتنا، وأيضًا مع الظروف العمليّة الموضوعيّة، فطالما أنّ الظروف لا تسمح بذلك لأنّ اختيار النّاس مختلف، أو لأيّ سبب آخر، فنحن معذورون في أنّنا بلّغنا وأعلنّا موقفنا، وعلى النّاس أن يتحمّلوا مسؤوليّتهم في نظام الحكم الذي يختارونه.”

 

ما لم يُكتَب أو ما هو مُضمَر في كلام سماحته يكمن في أنّه حينما ستسمح الظروف لمنظمته بتطبيق نظام الحكم الذي حدّده في الصفحة 42 من المرجع المذكور وهو:” مذهب أهل البيت”. ليتابع في الصفحة التالية مفصّلاً الفارق بين أيّ شيعي لبناني لا ينتمي إلى منظّمته، هو فارق عقائديّ وليس فارق مذهبيّ؛ ولا يغفل إثارة الحديث عن “الانتماء القهري بالهويّة لكلّ مَن ولد من طائفة معيّنة، والانتماء الاختياري لمشروع متكامل في النظرة إلى الكون والانسان والحياة.”

 

هذه المنظمة قد بحثت عن البديل للمبدأ السيادي وفقًا قناعاتها. وميّزت حتّى بين أبناء هويّتها المجتمعيّة الواحدة. من هنا، نفهم طبيعة أحداث إقليم التفّاح والضاحية في ثمانينيّات القرن الماضي، وبعض ما تسرّب منها في الأعوام المنصرمة وتمّ وأده ريثما تحين الفرصة الملائمة لتطبيق المشروع. والملامة تقع على النّاس في حال فشل خيارهم لأيّ نظام آخر. لكن مَن هو الذي أفشَل خيار الطائّف؟ برغم العلل والثغر الموجودة فيه، والتي تُعتبَر قابلة للتطوير في حال طُبِّق أو لا، بوجود دولة سيّدة.

 

لقد اختاروا علنًا البحث عن البديل والسبيل في الوصول إليه، وليس السبيل إلى استرجاع المبدأ السيادي وبناء الدّولة. فلماذا البحث عن البديل السيادي من أيّ فريق آخر يعتبَر تجريمًا وتخوينًا وعمالةً؟ ولماذا العمل بالتقيّة الديبلوماسيّة والسياسيّة وحتّى الاجتماعيّة، لتغيير الهويّة الكيانيّة اللبنانيّة، يُعتبَرُ عملٌ مشروعٌ في أدبيّاتهم، وعندما يعمل أيّ فريق جهارةً للوصول إلى تركيبة سياسيّة جديدة متطوّرة انطلاقًا من صيغة الطائف اللامركزيّة، وتتلاءم مع الهويّة المجتمعيّة الوطنيّة، وتحفظ التعدديّة، وتثبّت المناصفة، وتوقف العدّاد الديموغرافي؛ تُسقَطُ عليه صفات التبعيّة لمخططات الاستكبار والاستعمار والسفارات؟

 

الأصوات التي علت في الآونة الأخيرة مطالبةً بنظام سياسيٍّ جديد، إن كان على قاعدة الفدراليّة أو اللامركزيّة الموسعة أو أيّ نظام آخر، إنّما هي نتيجة لأنّ هذا الفريق هو الذي بحث ووجد البديل الذي يناسب عقيدته؛ ويعمل ليل نهار للوصول إليه. ولم يألُ أيّ جهدٍ ديموغرافيٍّ منذ بداياته، أو سياسيٍّ في تحويل الأعراف إلى ثوابت لا سيّما بعد الدّوحة، أو حتّى اجتماعيّ – هُويّاتيّ عبر التلاعب بالمشاعات ونقلها من بلديّة إلى أخرى أو الاستيلاء عليها لأنّ المبدأ السيادي مُغَيَّبٌ. قد لا تنجح أيّ مقاربة سياسيّة لأيّ ملفّ، ولو كانت لملء الشواغر التي استجدَّت أو التي قد تُستَجَدُّ قبل استعادة المبدأ السيادي! لذلك علينا ترتيب الأولويّات حتّى لو كان المصدر خارجيًّا قبل أن نخسَرَ الكِيَانيّة اللبنانيّة برُمَّتِهَا بين السبيل والبديل.​

المصدر:
النهار

خبر عاجل