
في 5 تموز 2023 أعلن مصرف لبنان رسمياً تعديل التعميم الرقم 158 الصادر في حزيران 2021، وقضى بوقف سحب الـ400 دولار بالليرة اللبنانية والإبقاء على سحب الـ400 دولار نقداً.
لكن رئيس قسم الأبحاث والدراسات في بنك بيبلوس الخبير الاقتصادي نسيب غبريل توقف عبر موقع “القوات “اللبنانية” الإلكتروني، عند النقطة الأهم في هذا التعديل بحسب تعبيره، والتي تنصّ على اقتصار السحب على 300 دولار فقط شهرياً من المبالغ المحوَّلة بعد تاريخ 30/6/2023 “كونه يعكس وضع المصارف بالنسبة إلى السيولة بالدولار الأميركي”.
“المصارف تستخدم السيولة التي تملكها في المصارف المراسلة في الخارج، في حين ألزمها مصرف لبنان في التعميم الرقم 154 الصادر في آب 2020 بتكوين سيولة توازي 3% من ودائعها بالعملات الأجنبية وتودعها في المصارف المراسلة لاستخدامها حصراً في تلبية سحوبات التعميم 158″، وفق غبريل الذي يشدد على أن “البنك المركزي مدّد مهلة تكوين هذه المؤونة (3% من العملات الأجنبية) من شباط 2021 إلى آخر العام 2022 ثم إلى آخر سنة 2024”.
ويضيف، “بين هذا التمديد وسحوبات الـ300 دولار للحسابات الخاصة بعد 30 حزيران 2023، هدف واحد هو تخفيف الضغط عن السيولة لدى المصارف، علماً أن نسبة السيولة تتفاوت بين مصرف وآخر، لكن يجب الإقرار بوجود أزمة سيولة في القطاع المصرفي سببها أزمة ثقة أدّت إلى تراجع تدفق الودائع والتحويلات من الخارج إلى لبنان. كما أن تخفيض سحوبات الدولار النقدي شهرياً إلى 300 دولار يخفف الضغط على احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية لأن 50% من سحوبات الدولار النقدي تتأتى من مصرف لبنان و50% من السيولة لدى المصارف التجارية”.
لكن غبريل يشير في السياق إلى وجود “سيولة مرتفعة جداً خارج القطاع المصرفي، والتي يجب أن تعود تدريجياً إليه لتعزيز سيولته وهذا لا يحصل إلا باسترجاع الثقة التي بدورها لا تتم بالإجراءات التقنية أو بإعادة هيكلة القطاع المصرفي فقط، بل باحترام الدستور والتزام المهَل الدستورية واحترام استقلالية القضاء وفصل السلطات وتطبيق القوانين… لأن بذلك تُستعاد الثقة ويعود تدفق رؤوس الأموال إلى لبنان ويشجّع عودة السيولة المرتفعة إلى القطاع المصرفي وإلا فالإجراءات التقنية تبقى غير كافية على الرغم من أنها ضروريّة”.
ليس بعيداً، يسجل الاقتصاد المحلي انتعاشاً على نحو يثير الاستغراب ما يدفع بالمستثمرين الأجانب إلى الاستثمار في لبنان. ولا تزال الحركة الاقتصادية في الأشهر الستة الأولى من السنة حتى اليوم، أفضل مما سجّلته العام الفائت.
وهنا يشرح غبريل أن “النمو في لبنان يتأتّى بشكل مباشر من القطاع الخاص، وبجزئه الأكبر من الاستهلاك الذي أعيد تصويبه بسبب تعديل الرواتب التي أصبح جزء منها أو بكاملها بالدولار الأميركي، واستمرار تحويلات المغتربين الهادفة إلى مساعدة الأسَر اللبنانية على تلبية احتياجاتها اليومية، إضافة إلى المساعدات الاجتماعية… كلها ساعدت على التأقلم مع الوضع وعلى خلق مستوى معيّن من الاستهلاك، وللحركة السياحية دور أيضاً في ذلك”.
ويضيف، بالنسبة إلى الاستثمار، وعلى الرغم من أن بعض الاستثمارات ليست في المستوى المطلوب، يبقى هناك استثمارات قائمة لناحية الصيانة وتبديل المصانع واستغلال الفرص المتوفرة واستبدال الاستيراد بالصناعة المحلية… كل ذلك يولّد استثمارات ولو كانت أقل من المطلوب”.
وفي السياق، لم يستبعد أن يسجّل العام 2022 نمواً إيجابياً، مع الإقرار بوجوب انتظار الأرقام الرسمية.
وبالنسبة إلى سنة 2023 يقول، يتفق صندوق النقد والبنك الدوليين على أن التوقعات لهذا العام انكماش 0،5% ( -0،5%). في حين أن المسح الفصلي لوكالة “بلومبورغ” الصادر في حزيران الفائت، يُظهر معدل آراء الخبراء والمحللين الاقتصاديين في لبنان والخارج بأن لبنان سيسجّل نمواً بنسبة 0،6% هذا العام… لكن آراءهم تختلف بين انكماش 2% في العام 2023، ونمو 5% فيه. ما يُظهر أن التوقعات المختلفة تؤكد وجود ضبابية في هذا الموضوع لكون اقتصاد لبنان أصبح نقدياً ومدَولراً، وبالتالي من الصعوبة تحديد نسبة النمو بشكل دقيق وعلمي.
ويشير أخيراً إلى أن “ما يساعد على تحقيق النمو هو تحسين المناخ الاستثماري وتطوير بيئة الأعمال ورفع مستوى تنافسية الاقتصاد وإعادة تأهيل البنى التحتية وتطبيق القوانين واحترام استقلالية القضاء وتفعيل ودعم قدراته ومكافحة التهرّب الضريبي والجمركي وتفعيل الجباية ومحاربة التهريب في الاتجاهين عبر الحدود ووقف الإغراق، ومكافحة الاقتصاد الموازي الذي يضم مصانع ومؤسسات غير مسجّلة تتهرّب من دفع الضرائب… إنها المنافسة غير الشرعيّة”.
