Site icon Lebanese Forces Official Website

الأسلحة الجرثومية تغيِّر مجرى الحروب

كتب جو حمورة في “المسيرة” – العدد 1742

الأسلحة الجرثومية تغيِّر مجرى الحروب

مدمِّرات برؤوس البعوض!

مع تقدم العلوم المخبرية والتكنولوجيا، بات من الصعب معرفة مصادر الأمراض، هل تكون من صنع الإنسان أم بفعل الطبيعة؟ تنتقل الأوبئة والأمراض البيولوجية من منطقة إلى أخرى وبكثرة في السنوات الأخيرة، فيما يتخوّف العالم من حرب بيولوجية على أنقاض الحرب الروسية – الأوكرانية – الغربية، خاصة وأن إنسداد الأفق العسكري والسياسي في هذه الحرب قد يكون دافعاً لمغامرة تحرك المياه في المستنقع الحربي الراكد.

في التاسع عشر من شهر حزيران الماضي، قال قائد «قوات الحماية الإشعاعية والكيميائية والبيولوجية» في الجيش الروسي إيغور كيريلوف، إن البنتاغون يخطط لاستخدام مسيّرات جوية لنقل بعوض يحمل عدوى أوبئة، مضيفاً أن الولايات المتحدة الأميركية قد طوّرت أوبئة خطيرة يمكنها نشر الأمراض المميتة عبر الحشرات الصغيرة المرمية من الجوّ على الأعداء.

لم يكن هذا الإتهام الأول من نوعه لواشنطن من قبل موسكو، إذ سبقته تحذيرات واتهامات متكررة على لسان المسؤولين والديبلوماسيين الروس اتهموا فيها الولايات المتحدة الأميركية بالسعي إلى استخدام أسلحة بيولوجية في أوكرانيا، كما إتهامات أخرى حول بناء معامل لإنتاج الأوبئة في السودان وجورجيا، القريبة من الحدود الروسية.

بالتوازي، لم تتوانَ واشنطن عن نفي التهم الموجّهة إليها معتبرة أنها «مزاعم مثيرة للسخرية»، كما وردّها عبر إتهام موسكو بأنها «تحاول التمهيد لاستخدام الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية» في أوكرانيا. هذا وتم التطرق إلى الأمر في مجلس الأمن أكثر من مرة، حيث كررت كل من روسيا وأميركا الإتهامات المتبادلة المرتبطة بإمكانية اللجوء إلى الأسلحة البيولوجية والجرثومية في دول عدّة.

والحرب البيولوجية هي عملية إستخدام مقصود للفيروسات والجراثيم عبر نشرها كأوبئة بين الأخصام، الأمر الذي يمكنه أن يسبب في موت واسع النطاق، كما حالات من الإرباك الكبير في صفوف من تعرضوا للأوبئة. ومع تقدم التكنولوجيا، ما عادت الحرب البيولوجية قائمة على رمي بعض المواد الوبائية من الطائرات، أو غرز قائد عسكري أو دبلوماسي بحقنة سامة، بل توسعت وأصبحت أكثر دقة. مثال على ذلك، إرسال أوبئة عبر طائرات مسيّرة إلى منطقة جغرافية محددة جداً، قد لا تزيد عن حيّ في مدينة أو مبنى كبير. كما بات يمكن خلق أنواع مركبّة وحديثة جداً من الأوبئة عبر التجارب المخبرية، وهي أنواع يصعب كشفها أو علاج ما تسبب به، خصوصاً أنها لا تحمل أي رائحة أو لون أو طعم. وعلى الرغم من أن لا شيء مؤكد إن كان وباء «كورونا» من صنع بشري ضمن حرب بيولوجية ما، أم أنه مجرد تطور طبيعي أدى إلى تحوّر الفيروس وانتشاره، يبقى أن الأعوام القليلة الماضية قد شهدت على انتشار أوبئة قد تكون من صنع الإنسان وتم نشرها عمداً، ومنها فيروس «السارس» عام 2002، وإنفلونزا الطيور عام 2003، وإنفلونزا الخنازير عام 2009، ووباء «إيبولا» عام 2013، وصولاً إلى فيروس «كورونا» عام 2020، وجدري القرود عام 2022.

قبل الزمن الحالي، استخدم الإنسان الحرب البيولوجية منذ القدم، حيث كان يلجأ المحاربون إلى تسميم ينابيع المياه والطعام للعدو، كما إلقاء جثث المصابين بالأوبئة وجيف الحيوانات في معسكرات أخصامهم. وقد تكررت هذه الأساليب بشكل كثيف، وكانت تنم، في حينه، عن ذكاء ودهاء عسكري، ولا تؤخذ على أنها محظّرة ويجب تجنّبها وعدم الركون إليها.

إلا أنه من المؤكد أن القوانين الدولية تمنع منعاً باتاً إستخدام الأسلحة البيولوجية في الحروب أو في أي إطار آخر. وقد تم التأكيد على ذلك في الكثير من المعاهدات الدولية منذ «بروتوكول جنيف» عام 1925، وصولاً إلى إتفاقية العام 1972 المتعلقة «بحظر الأسلحة الجرثومية» التي دخلت حيّز التنفيذ عام 1975 ووقعت عليها أغلبية دول العالم، كما القرار الدولي المهم رقم 1540 الذي يمنع إستخدام أسلحة الدمار الشامل بأي شكل من الأشكال.

يبقى أن عملية الإلتفاف على القوانين الدولية هي سمة من سمات العالم اليوم، فلا شيء يضمن قيام أي دولة من تلك التي تملك حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن أو تلك المعتدة بنفسها وخارج المظلة الدولية والقانونية بالركون للأسلحة البيولوجية في أي حرب قادمة. وعلى سبيل المثال، لا شيء يحول دون قيام روسيا بمغامرة بيولوجية في أوكرانيا، ثم نفي قيامها بذلك تماماً مثلما فعلت عندما دمّرت سد «نوفا كاخوفكا» في السادس من حزيران الماضي، وأنكرت الأمر متهمة أوكرانيا والولايات المتحدة الأميركية بتدمير السد وقتل مئات المواطنين.

يبقى الخوف من وقوع الأسلحة البيولوجية في أيدي المنظمات الإرهابية، واستخدامها على نطاق واسع، وبشكل يفضي الى وفاة الآلاف والتسبب بحال من فقدان التوازن الطبيعي والبيولوجي في الأماكن التي قد يستخدمونها. في حين يصعب على الجماعات الإرهابية الإستحصال على هذا النوع من الأسلحة التي تتطلب قدرات مالية هائلة لخلقها، تخزينها، نقلها واستخدامها، يبقى الخطر الأكبر هو إستخدام الدول للتكنولوجيا المتطوّرة في نشر الفيروسات، أكان عبر طائرات مسيّرة صغيرة أو عبر أي وسائط أخرى كالبعوض وغيره من الحشرات، ما قد يودي بحياة الكثيرين من دون معرفة الأسباب الحقيقية للوفاة.

هذه التكنولوجيا المتطوّرة التي تغرق العالم بعطاياها وفوائدها اليوم، قد تلقي بالكثيرين إلى حتفهم غداً، هذا إن وقعت بأيدي الناس الخطأ، أو لدى أصحاب النيات الشريرة، وهؤلاء ليسوا بقلة في الزمن الحالي في جميع الأحوال. وقد ينتهي أمر بعض الأوكران أو الروس أو غيرهما بالموت بلدغة بعوضة، أو عبر جراثيم تلقيها طائرة مسيّرة في الجوّ. موت «حديث» مقارنة مع الموت بقذيفة مدفع روسي قديم. موت قد يغيّر معادلات أكبر من سياسية أو عسكرية، بل يفني شعوب برمتها، وربما يغيّر مجرى التاريخ.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​​​​​​​​​​

Exit mobile version