ينتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، صوت لنازح سوري يطالب، وبنبرة ساخرة شامتة باللبنانيين، برفع العلم السوري في لبنان، بعدما تجاوز عدد النازحين السوريين الخمسة ملايين، بحسب ما بشّرنا النازح الكريم، وبعدما حقق النظام السوري الهدف باسترجاع “المقاطعة” اللبنانية الضالة الى الكنف السوري، معتبراً أنه صار من حق هؤلاء النازحين، رفع ذاك العلم فوق الأراضي اللبنانية كافة.
ندعو دائماً لتجنب العنصرية، لكن أمام كلام مستفز مماثل، كيف تبرر لغضب اللبنانيين ألا يكونوا كذلك؟! ولا يوم كتبنا بعنصرية عن قضية النازحين تحديداً، بل على العكس، “القوات اللبنانية” وعلى مدار الأعوام التي اندلعت فيها الثورة السورية وتهافت النازحين الى لبنان، تعاطفت مع أزمتهم، وكانت دائماً تطالب بعودة آمنة لهم الى بلادهم، انطلاقاً من شرعة حقوق الإنسان أولاً، لكن طبعاً فُسر موقف “القوات” على أنه تراخٍ، علماً أن “القوات” طالبت مراراً وتكراراً بفرز النازحين الذين يدخلون سوريا ويعودون الى لبنان وينتخبون النظام ولا أحد يمسّهم بسوء، فطالبت بترحيلهم فوراً، إضافة الى إصرارها على ضرورة إعادة النازحين لمنع فكرة توطينهم، ونظراً للعبء الهائل الذي يثقل كاهل لبنان ويفوق قدرته على تحمل تلك الأعداد، عارضت الاتحاد الاوروبي بقراره الاخير، بالإبقاء على النازحين في الاراضي اللبنانية، وها هي تسعى الآن لتغيير هذا القرار المهين لكرامة لبنان وسيادته، وهذه ليست عنصرية بل مواطنة لبنانية حقيقية شريفة نظيفة.
بعيداً من الغضب اللبناني، وبعيداً من ما يجري أحياناً في بعض القرى والمدن اللبنانية من تعديات، تنبئ بالأسوأ، ما لم يصر الى إعادة النازحين بأسرع وقت، وفي مقاربة موضوعية للآزمة التي تقارب توصيف “المصيبة”، هذه ما عادت أزمة نازحين، بل هي أزمة حرية وطن، وكيان وطن صار على المحك، وديموغرافة وطن إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، فصورة لبنان وقلبه ونهجه كلها ستكون الى زوال. إذا بقي النازحون على أرضنا، فهذه أزمة مجتمع دولي بأسره، يصر على دعمهم في بلدان مستضعفة مثلنا، ليبعد عنه الكأس، فيدفع لبنان الثمن من كيانه وديموغرافيته وأرزاقه وسيادته.
ليست قصة مجرد رأي نازح، بل مبدأ استباحة لكرامة الأرض التي تستضيف النازحين، وتعطيهم كل ما عندها وتسمح لهم بما لا يُسمح حتى للشعب اللبناني.
قضية النازحين في لبنان صارت قنبلة موقوتة معدّة للتفجير في ساعة لا نعرفها، بعدما أصبح اللبنانيون كتلاً بائسة يائسة خسرت الكثير الكثير ولا تجد ما تخسره أكثر بعد، من أن يأتي نازح ويعلن الأرض التي آوته واستضافته، أرضه وعليه أن يغرز العلم السوري فوقها، وينكس العلم اللبناني تحت أعين الكرامة المستباحة.
ليس الكلام في العنصرية على الاطلاق، لكن الهوية اللبنانية على المحك، وكما يقول المثل الشعبي اللبناني “بحبك يا سواري قد زندي لاء”. نساعد الجيران ونمدّ لهم يد العون أكيد، شرط أن يقدِر المساعدة وألا يقطع اليد التي امتدت لانتشاله من الموت والاضطهاد، وأن يعود الى بلاده، “ويا جاري إنت بدارك وأنا بداري”. الانتماء للوطن ليس عنصرية، والخوف على كيان الوطن وكرامته ليست عنصرية بل صلاة، ولعل… لعل، لو تحلّى بعض اللبنانيين الممانعين تحديداً، “بالعنصرية” اللبنانية الحقيقية، لما احتلنا غريب، ولما احتلنا حتى ابن البلد، ولما تجرأ الغريب على المطالبة بعلم غير العلم اللبناني.
