
تاريخ من تاريخ…
لأننا واجهنا ببسالة دفاعاً عن لبنان، ولأننا نصرّ على بناء الدولة وعلى ألا يتكرر الماضي، نسترجع من ذاكرة الزمن أحداثاً خبرناها، لتكون العبرة لمن اعتبر.
نعم، هي الذكرى للعبرة وليس استفزازاً، الذكرى للقاء عابر مع أبطال صنعوا مجد لبنان ويستحقون العودة إليهم عبر صفحات الوقت. الذكرى لتكريم من كانوا متراساً بأجسادهم ليموتوا هم، ويحيا لبنان.
منذ العام 1972 كان شباب المنظمات الفلسطينية يتجولون في زواريب الكرنتينا وصولاً إلى منطقة المدوّر، وكانت ملصقاتهم منتشرة في كل مكان، لكن المقاومين اللبنانيين لم يقفوا مكتوفي الأيدي، واتخذوا القرار بوضع حدّ لهذا الانتشار الذي بات ينبئ بعزل مسيحيي بيروت عن مسيحيي الجبل.
في 13 نيسان، ترجّلت الحرب من البوسطة إلى الشوارع وأتى الأمر، “انتبهي يا منطقة المدوّر”، فاستنفرت المنطقة وتوزعت قوى منها على سكة الحديد قاطعة الأوتوستراد، وعلى مبنى الهيئة الشعبية سابقاً، وعلى مبنى الصحناوي. وكان الفلسطينيون يبعدون 30 متراً عن مركز المدوّر.
في اليوم الأول من بداية الحرب اللبنانية أرسل الفلسطينيون من يفاوض عنهم، وانتهى “الأخذ والردّ” بالتهديد: “تفتحون الطريق قبل السادسة مساء أو نهجم…”. فكان أن هجموا عند الساعة العاشرة ليلاً، وكان في المركز سبعة شبان استطاعوا صدّ نحو أربعين عنصراً ونجحوا في أخذ مركز متقدّم أسموه “البناية الصفرا”.
الهجوم الثاني كان مضاداً هذه المرة. لم يدم عمر المعركة أكثر من أسبوع. وفي 19 نيسان من العام 1975، قام شباب المدور والرميل بعملية عسكرية، تمكنوا في خلالها من التغلغل في الأحياء التي يسيطر عليها الفلسطينيون، ووصلوا حتى مركز الأمن. لكن العملية انتهت باتصال من الشيخ بيار بوقف إطلاق النار، بعدما انهالت الوساطات من الرئيس سليمان فرنجية والإمام موسى الصدر، بالعودة إلى الخطوط التقليدية وتسليم المدرسة الرسمية للدرك… لكن المناوشات استمرت.
شباب “المنظمات” يستفزون القوى الأمنية اللبنانية (الدرك)، فتدور عمليات كرّ وفرّ بين “الشباب المقاوم” والمخيم المسلح. وبقيت القصة على هذا الحال حتى 17 كانون الثاني من العام 1976.
في هذه المناوشات فوجئ المقاومون المدافعون عن الأرض، باستعمال شباب المنظمات الفلسطينية المدفعية في قصفهم، والتي كانت تصلهم عن طريق تل الزعترـ النبعة ـ برج حمود. في الانتظار، “هندس” أحد الرفاق المقاومين منجنيق، وهي آلة استعملت في الحروب قديماً، تقضي بإطلاق رزمة ديناميت مشتعلة بواسطة مقلاع. كان الفتيل ينفجر أحياناً عند الغزاة وأحياناً في الجو. في الفترة نفسها أيضاً، صُممت أول ملالة بدائيّة في “الكتائب”، في كاراج تحت مركز المدوّر تماماً. ونفّذت بواسطة شاحنات وسيارات زيد عليها حديد سميك وصفّحت بالرمل، وصار الشيخ بيار والمسؤولون يعبرون فيها “الجسور” من دون أن يطالهم القنص.
في 17 كانون الثاني، وبعد اجتماع ترأسه الشيخ بشير في مبنى “صوت لبنان” القديم، تسلّم العملية شباب منطقة المدور. بدأ التقدم بعد ساعتين على “الكيناية”(نسبة إلى شجرة الكينا على مفرق السليب كومفورت) ومحور بيت “الكتائب” ومحور المدرسة الرسمية ومحور مستشفى الكرنتينا. استمرت المعركة ثلاثة أيام، وانضم إلى الشباب قوى من المتن الشمالي، فتحررت الجسور وتوقفت المعارك في منطقة المطاحن بقاليان بعدما تبيّن أن في المنطقة الكثير من الأهالي.
لكن المهم أن الجسور فتحت، أقلّه حتى تشرين من العام نفسه تاريخ دخول “قوات الردع العربية السورية”، ما استدعى معركة جسور ثانية في تموز من العام 1978 لانسحابها.
