
إذا كُنّا، في بلادِنا، نعاني وِحدةً عميقةً تَغرقُ في سُكونٍ غريبٍ لا يَنضحُ عنهُ إلّا مرارةُ الأسى والأسف، وإذا كُنّا غيرَ قادرينَ على تنظيفِ ثيابِ الإنكسارِ الخانِقِ الذي يتحكَّمُ بِبالِنا، وإذا كُنّا في وادي الفوضى والفساد والعَبَثِ بالمصائر، وإذا كُنّا في غابةٍ تُديرُها وُحوش، ويتسَيَّدُ فيها العنف، والغريزة… هل نستطيعُ، مع هذا كلِّهِ، أن نَدَّعيَ بأنّنا على قَيدِ الحياة ؟؟؟
لقد قيلَ لي ما أَورَدَه سعيد تقيّ الدّين، في كتابِهِ ” أنا والتنّين “: ” إِغسِلْ عن قلمِكَ كلَّ عبارةٍ تَفتحُ جُرحاً “، ربّما تَصحُّ هذه النّصيحةُ السَّديدةُ في ظروفٍ مختلِفة، لكنّها، وبالرَّغمِ مِمّا تحملُهُ من وُدٍّ، ورَشاد، تُبلِغُني رسالةً واضحةً مفادُها: إِحتَجِبْ، فالغيابُ أفضلُ من الحضور. لا، فأنا لا اُتقِنُ مقاربةَ الأحداثِ بِقَفا القَلم، فحِبري يصيحُ بأَعلى صوتِهِ، حُرّاً في التِزامِهِ الوطنيّ، جريئاً في مواقفِهِ، مُتَّزِناً في نَقدِهِ، عفيفاً في نَبرَتِهِ، مُحاجِجاً بريشةِ البرهانِ والمنطق. وبعد، فمن الجُرمِ أن تُطوى مناسبةٌ خطيرةٌ كالتي تَشقَعُنا على حَمّالتِها جُثَثاً، قبلَ غَربَلَتِها، وفَضحِ مؤامراتِها، وتَحالُفِها مع الشّيطان، والكَشفِ عن وجهِها المرسومِ بالشرِّ…
في الكثيرِ من الأَحيان، الجُرحُ يولِّدُ الجرأةَ لا الخَوف، واستناداً، ينبغي، وبجُرأة، نَبشُ أساسِ لُعبةِ الموتِ التي تسعى الى رَميِنا في العتمةِ، مُقدِّمةً لمَنحِنا للهجرةِ أو القَبولِ بانتدابِنا، أو التّطويحِ بنا الى المَهالكِ والأهوال… إنّ السَّفسَطاتِ الباليةَ التي يُتحفُنا بها، يوميّاً، أركانُ السّلطةِ والتَسَلّط، مُحاوِلينَ إِخفاءَ هَولِ الأزمةِ برداءِ الحِوارِ، والتّفاهمِ، والتّقارُبِ… ليسَت سوى خُرافاتٍ وشَعوَذاتٍ لا تَصبُّ إلّا في نَفَقِ النِّفاق، والتَّسويفِ، حتى تستريحَ الإستحقاقاتُ في حضنِ الله، ويكونَ الذين يَدَّعونَ الإصلاحاتِ أَقربَ الى السّيطرةِ على البلادِ، والتَحَكّمِ بقرارِها.
إنّ الأسلوبَ التَّكتِيَّ الذي يعتمدُهُ المُمسِكونَ برِقابِ النّاس، بَلَدِيّينَ وطارِئين، يستندُ الى إيديولوجيّةٍ سياسيّةٍ ودينيّةٍ تسعى الى إِلغاءِ الآخر، وذلك بالتَمَدُّدِ فوقَ مساحةِ البلاد، واعِدينَ النّاسَ، زُوراً، بحياةٍ مُثلى، وبقيامةٍ للجميع، وكأنّ مطمعَهم بِصَهرِ الوطنِ، ثمّ سَبكِهِ في حيثيّةٍ كولونياليّةٍ يغزوها الإنحطاطُ، والتزمّتُ، والتسلّط، لا يزالُ خافِياً على ذَوي الحِجى. وبالرّغمِ من استيعابِ هذه المؤامرة، وفَهمِ مراميها، ومعرفةِ أركانِها، ينقسمُ الناسُ، عندَنا، الى ثلاثة : جماعة النّزعةِ الكليّةِ للتّصديق، والتّصفيق، والبَصم، وارتقاؤُهم الى مستوى الوعيِ الوطني معدوم، وجماعة اللّامبالاةِ وجاذبيّةِ الصَّمت، وغُربةُ هؤلاءِ دائمة، فلا تُوقِظْ نِياماً، وجماعة التصدّي والمواجهة، وأكثرُهم مُقَيَّدٌ بفلسفاتِ الكلامِ، والتّنظير، ومَثَلُهم كمَثَلِ مَنْ يحاولُ الطّيرانَ بدونِ أجنحة، فيسقطُ أرضاً، وربّما يكونُ في سقوطِهِ هلاكُهُ.
لا خلاصٌ مجّانيٌّ لنا، ولا قيمةَ للخلاصِ إذا أتى بجهدٍ غيرِ جهدِنا، فمن دونِ شُعلةِ العنفوانِ، عُشبةِ الخلاصِ المُغَيَّبة، ومن دونِ زَخمِ مقارعةِ القوّةِ بالقوّة، وهذه الحالُ مُستَبعَدَة، لا مَنجًى مِمّا نتخبّطُ فيه، فالعقبةُ قاسية، ورحلةُ الصّمودِ ليسَت سهلة، وللوصولِ الى ملامسةِ الحقِّ لا بدَّ من جلجلةِ الدمّ، والصَّلبِ، والتّضحيات. لكنّ مجتمعَنا، في مقاربةِ هذا الخيار، مُتهاوِنٌ، بليدٌ، لا مُبالٍ، يستعذبُ المعاناة، نَزّاعٌ الى القَبولِ، والقَبولُ رصيدُ الجبناء… أَوَلَيسَت جَبَانةُ النّاسِ جَبَّانةَ الأوطانِ وبدونِ جنازة !؟
لقد خُدِّرَ النّاسُ بكلامٍ أُسطوريٍّ عن عصرِ سلامٍ ورجاء، وتَسامُحٍ، وانفتاحٍ، واعترافٍ بالآخر، لكنّ النّاسَ لم يَرَوا من طواحينِ هذا الكلامِ قَمحاً، بل عصبيّاتٍ مسعورةً، وتخلّفاً، وتزمّتاً، وعنفاً، وسَحقَ حريّاتٍ وحقوق… من هنا، فإنّ الجدالَ حولَ طبيعةِ علاقةِ المُقيمينَ بالوطن، هو من أكثرِ النُّقاطِ المُختَلَفِ عليها، فالإرتباطُ ذو مفهومَين، أو إتّجاهَين، بدلاً من أن يكونَ هنالكَ مبدأٌ ثابتٌ ذو بُعدٍ وحيدٍ، أو تحديدٌ واحدٌ للمواطنةِ التي ترتكزُ على مِعيارَي الإنتماءِ والولاء. وقد رأينا، ومنذ زمنٍ ليس بقَصير، مشروعَ دولةٍ قيدَ التَشَكُّلِ، على أنقاضِ الدولةِ القائمة، تجنحُ صوبَ الأصولية، في صياغةِ نظامٍ يُدارُ بعقليّةِ التسلّط، والإستقواء، ما يعيدُ إنتاجَ نزاعاتٍ داخليّةٍ تَنعي الشّراكةَ والتّواصلَ، وتسلِّمُ إدارةَ الشأنِ العامِ، والقرار، وقيادةَ المصائرِ، الى جهةٍ تنفِّذُ أجندةً مشبوهةً، ما يدفعُ الى الشَكِّ بهويّتِها الصافية، وولائِها النقيِّ للبنان.
إنّنا نرى أُفُقاً مسدوداً في إمكانيّةِ تجديدِ الدولةِ الديمقراطيّةِ الدستوريّة، والتي تحكمُها القوانينُ المستقلّةُ عن أيِّ تَسَلُّطٍ، أو تَدَخُّل، فالدستورُ، وحدَه، يبقى من الفضائلِ التي تساعدُ في تَطبيعِ المجتمعِ ليتعوَّدَ على الممارسةِ السياسيةِ الحُرَّة، وعلى طُرُقِ الديمقراطيّة التي توفِّرُ للمواطنين العدالةَ والأمان. ولكن، ومع أنّ ما أورَدناهُ هو أوضَحُ، وأدَقُّ شرحٍ لعودةِ الدولةِ الى الوطن، وأساسٌ لبناءِ بلادٍ لا نتفجّعُ عليها في المستقبل، غيرَ أنّ هذه تبقى أشواقاً باطلةً، وأَمَلاً زائلاً، في ظلِّ تشليعِ الهويّة، وتفسيخِ الكيان، وخسارةِ النَّسرِ معركتَهُ مع الثّعابين.
ليلُنا طويلٌ، ثَقيلٌ، نتخبّطُ فيهِ مقهورين، وكأَنْ لم يُكتَبْ لنا أن نبقى على قَيدِ الحياةِ الوطنيّة… كَمْ من صلاةٍ يجبُ أن تُرفَع !!!