#dfp #adsense

حارس الحرية… الخلاص أبعد من حسابات المكان والزمان

حجم الخط

كتب انطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1742

عندما أنهى سمير جعجع مرافعته التاريخية أمام المجلس العدلي في قضية اغتيال داني شمعون ورفاقه، هرعت صحافية ومراسلة بارزة من المنصة المخصصة للصحافة في قاعة المحكمة وغمرتني بشدة وتأثر، وقالت لي: “هيدا القائد الحقيقي، يا هيك يكون القائد يا بلا”. كلام لم أكن أنتظره من تلك التي كانت في موقع الخصومة السياسية مع القوات اللبنانية منذ الحرب. بل إن زميلا آخر عوني الهوى، كان يلكزني خلال المرافعة بين الحين والآخر معبّرًا عن دهشته وإعجابه بالرجل الواقف كالرمح، على رغم نحوله الشديد، يدافع عن نفسه بتماسك وذهن متوقد على مدى أكثر من ساعتين، بعدما طلب الكلام من الرئيس القاضي فيليب خيرالله واستأذن وكلاءه المحامين.

وكم كان سمير جعجع في قفص الاتهام وبعدها على مدى أعوام الاعتقال حرًّا، بل ضنينا بجذوة الحرية في روحه، لأنها كانت بارقة الأمل الوحيدة في ظلام الوصاية وظلمها. إن قراءة خاطفة لمسار الحكيم ومسيرته النضالية، تشي بمدى تقاطعهما في الكثير من المحطات والمراحل مع مسيرة لبنان منذ مطلع الحرب إلى اليوم.

لقد عانق ابن بشري نسائم الحرية منذ فتوته، فلم يجارِ الكثيرين من أبناء مسقط رأسه في التسليم بسطوة الإقطاع المتجذر، ووجد في عين الرمانة وشوارعها ومدارسها، والتي اختارها الوالد العسكري لسكن العائلة، مساحة واسعة من الحرية، لا سيما بوجود اغلبية من السكان ينتمون إلى البلدات والقرى الجبلية أو البعيدة، وقد وجدوا بدورهم في عين الرمانة فرصة مناسبة للإقامة في ضواحي العاصمة، ومتنفسا للتطلع نحو الحرية والعدالة الاجتماعية.

وعلى رغم اقترابه من التخرج طبيبا، اختار بحرية النضال دفاعا عن الحرية عينها، وأنشأ لاحقا قيادته الشمالية في دير القطارة، متحررا من أثقال المدينة وموجباتها، ولم يتأخر في رفض الانصياع للمرجعية السياسية بعد بشير، وانتفض مرتين على القيادة، وواجه مرغما شطحات ميشال عون وحربيه العبثيتين، ولم يرتضِ التسليم بواقع الوصاية مع نهاية الحرب، ف”استحق” الاعتقال والقوات التنكيل والحل.

حينها، تيقن الجميع عمليا بأن الحرية ضمرت وكادت تنعدم، ومعها لبنان السيد الحر المستقل. فلم يعد أحد، وسمير جعجع في الزنزانة، يجرؤ على قولة الحق وعلى المعارضة أو حتى الاعتراض، وإلا ما معنى وقف الأخبار والبرامج السياسية في وسائل الإعلام بالتزامن مع قرار حل الحزب.

لقد تحول لبنان مع اعتقال سمير جعجع معتقلا كبيرا، فمساحة الاوطان تقاس معنويا وسياسيا بمساحة الحرية فيها. ومع ذلك، لم يلن سمير جعجع ورفض مختلف محاولات الترغيب والابتزاز والعروض والصفقات، علما أنه كان في وسعه أن يغادر إلى الخارج منذ اللحظة الأولى تجنبا للملاحقة، لكنه اختار أن يكون حرا في السجن، على أن يكون أسير الجبن والمهانة في الخارج.

وتحضرني في هذا المقام العبارة التي أطلقتُها في ندوة حاشدة، فكادت تختصر الندوة: ألف عام حرا في النظارة، ولا يوم واحد لاجئ في سفارة. ففي الواقع، كان سمير جعجع حر الضمير والموقف من خلف القضبان، فيما كان سجانوه أسرى حقدهم وخوفهم من رجل شبَّ على الخطر ولاعب لحظاته وداعب حافة الموت مرارا. فقد كان يخيفهم في سجنه، بل إن ارتياحهم لوجوده في قبضتهم كان ارتياحا مشوبا بالقلق والتوتر الدائم، لأن الوجه الآخر لذاك الارتياح كان يتمثل في قرارة أنفسهم بأن هذا الرجل سيخرج يوما، وبأنه في سجنه يخمّر قوة مضاعفة صقلتها تفاعلات القمع وتداعيات التنكيل والثقة العميقة بأن صاحب الحق سلطان.

لقد دخل سمير جعجع السجن بقرار سياسي وخرج منه بقرار سياسي. زمن اعتقاله كان زمن استشراء الوصاية والهيمنة، أما عودته الى الحرية الجسدية، فكانت تتويجا لعودة الحرية إلى لبنان وانتقال الحكيم مباشرة إلى صف القيادة الجماعية لثورة الأرز وحركة 14 آذار.

اليوم تستمر الرحلة الصعبة لسمير جعجع ولبنان مع الحرية. فهو ما زال على خطه التاريخي قناعاتٍ ومبادئ، والمفارقة أن سمير جعجع لم يعد في الطبقة الثالثة تحت الأرض، بل إن لبنان اليوم يراد له أن يكون “تحت سابع أرض”، أو بالأحرى في جهنم كما بشرنا سيد العهد الماضي. ومع ذلك لا شيء يمكنه قتل الحرية في نفوس الأحرار، سواء اغتيالا أو بالموت البطيء كما هي حالنا اليوم.

قد يميل البعض الى المقارنة بين لبنان راهنا وبين لبنان عشية اعتقال سمير جعجع، الذي كان على رأس القوات اللبنانية، المعارض الفعلي الوحيد على أرض المواجهة، بعدما نجح في قيادة الساحة السياسية انطلاقا من الساحة المسيحية الى مقاطعة الانتخابات المهزلة في العام 1992 وفي استيعاب جانب من الجمهور العوني، وفي التصدي لمحاولات استكمال الهيمنة على القرار في الدولة.

أما اليوم، فإن سمير جعجع هو الذي يقود عمليا مجموعة المعارضة من دون ادعاء أو عراضة، بعدما نجح بالتحالفات الواقعية، في كسر شوكة الثنائي سعيا لفرض مرشحه الرئاسي على المسيحيين وسائر اللبنانيين، واستوعب بموقفه المدروس عددا لا بأس به من المعارضين والتغييريين والمستقلين.

وفي الخلاصة، معركة الرئاسة هي معركة الحرية أيضا، وخير من يتقدم صفوف المواجهة فيها هو من كان دائما حارس الحرية، وإلا لا طائل من مختلف الاستحقاقات والملفات والسجالات، إذا كان المطلوب تكريس وصاية جديدة، ولذلك من حق الأحرار أن يستخدموا حرية قرارهم وضميرهم للحفاظ على مساحة حرية تكون هي بذاتها مساحة لبنان بمعزل عن حسابات الأرقام وقياسات المكان وعقارب الزمان.

أنطوان مراد ـ مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل