
عندما تحوَّلَتِ النّهضةُ هاجساً لدى الذين أرهقَتهم صحراءُ الإنحطاطِ، برجعيّتِها، وتعسّفِها، وشراسةِ إنسانِها، فانتفضَ في ذواتِهم تمرُّدٌ قادَهم الى ضفّةِ الرقيّ، والوَعي، والتحرّر، واحترامِ الحقوقِ وكرامةِ الإنسان، نَجِدُ، في مجتمعِنا، اليوم، مّنْ يَجهدوا لهَدمِ التطوّرِ، وكأنّهم اشتاقوا الى حيثيّاتِ التخلّفِ، والإقطاع، والبربريّة، ربّما لأنّهم كانوا، في أساسِهم، متخلِّقين بأخلاقِها.
لا شكّ أنّ للنهضةِ أهميّةً في حياةِ الشّعوب، وتأثيراً في سلوكِ النّاس، وتحوّلاً في حيثيّاتِ حياتِهم، شَقّاً لطُرُقِ المعرفة، وانطلاقاً صوبَ حضارةٍ طامحةٍ الى فَكِّ رموزِ الكَون… والنهضةُ هي ممثِّلةُ الإنسانيّةِ النّاشطةِ الخلّاقة، وعشبةُ الحياةِ الخالدة، ودربُ المعارف، وعينُ العقلِ المُشرِفةُ على كلِّ شيء، واقتحامٌ ناجحٌ للجهلِ لنَهشِ قوامِهِ، وهي حقيقةٌ بذاتِها شكّلَت أرقى كياناتِ العصور. ومع اشتهاءِ النّهضةِ قمّةً لنشوءِ الدّنيا وارتقائِها، هناكَ مُحَدِّقون الى الهاوية، تائقونَ الى مُناخِ الجاهليّة، عُمْيُ البصيرة، يريدون أن يقبعوا في نواويسِ الإنحطاط، وهم إذا أشاروا الى الشّمسِ فبَصَرُهم لا يتجاوزُ حافةَ إصبعِهم.
من على الشّاشاتِ، أو خلفَ الميكروفونات، أو في محابرِ المقالات، جماعةٌ لا قاماتٌ لها، ولا نُضجٌ، هي مخلوقاتٌ دخيلةٌ على نظامِنا الشَّمسي، الجسدُ فيها يرتعُ في عصرِ التمدّن، وأسلاكُ جماجمِها المتشظِّيةُ تنزعُ الى الجهلِ، والتّزييف، ووثنيّةِ الأخلاقِ الرّديئة، فلا استحياءَ، ولا احترامَ كراماتٍ، ولا تَقديرَ لقِيَم. هذه المأساةُ المتنقِّلةُ في وسائلِ الإعلام، والتي تُشَوِّهُ الحقَّ، والحريّةَ، لمّا تزلْ تستزلمُ أَكُفّاً للتَّصفيق، وحناجرَ للصّريخ، وأغبياءَ للدّفاعِ بأداءٍ سخيفٍ مُضَعضَع. والمُتَلفَزون، أَصّالو التّبَعثرِ الفِكريِّ والخُلقيّ، والذين تحرَّكَت شرايينُ هُزالِهم العقليّ، وداسَت طينَ الفَهم، يُقيمونَ موقفَهم على أساسِ تَبَعيّتِهم، وتَبَنّيهم لهرطقاتٍ متراكمةٍ تتغلَّبُ على مصلحةِ الوطن، وعلى قناعاتِ النّاس، وعلى منطقِ التَّحاور، وعلى احترامِ رأيِ الآخرِ وكرامتِه.
إنّ الإنحطاطيّين، وهم كُثُرٌ، وللأسف، يؤوِّلونَ الحقائقَ، تِبعاً لمقتضياتِ الحالة، والمصلحة، مُتَضَلِّعين من التّلفيقِ، والتّوهيمِ، واختلاقِ فصولٍ هَمايونيّةٍ مستَمَدَّةٍ من عالَمِ التَّخييل، ولها مآربُ لم تَعُدْ خافيةً، وأغراضٌ تَنأى عنها قِيَمُ الوطنيّةِ، والأخلاق، ومقاييسِ التّعاطي الإنسانيّ. إنّ أبرزَ مواصفاتِ الإنحطاطيّين، فَتحُ خزّانِ ترّهاتِهم، واتِّباعُ قاعدةِ الصّياحِ الشّديد، وبلا مضمون، بدونِ مراعاةٍ لعقولِ النّاس، ولا لِسَمَعِ مَنْ يحاورونهم، ولا لمَنْ يُديرُ حلقةَ الحوار. ولا يَهتَمّون أَأَنتجَ بيدرُهم زُؤاناً أو قَمحاً…
لقد اجتهدَ إنحطاطيّو الظّهوراتِ الشّاشَويّةِ، بالمُماحكات، والتَسَرُّع، وتَشويهِ الوقائع، والتّناقض، وخاصةً بالمَيلِ الى الإهاناتِ الشخصيّة، وحتى الإعتداءاتِ الجسديّة، ما يؤكّدُ على أنّهم أعداءُ المناقِبِ والأخلاقيّات، والرقيِّ الفِكريّ، يخرقونَ أُسُسَ الموضوعيّةِ الرّائدةِ في التّحاورِ، كلُّ ذلك يُعلِنُ عن تخلُّفِهم، وانغلاقِهم، وغُلُوِّهم في التّلفيق، وتطرُّفِهم في الباطل، وضلالِهم عن محجّةِ الحقّ، والعقل، يكرِّرونَ تُرَّهاتٍ لا تُشبِعُ جوعاً الى معرفةٍ وفَهم، وينطقونَ تَخليطاً لا صلةَ له بالمنطق، والدقّة، فنسيجُ كلامِهم مُهَلهَلٌ، مُفَكَّكٌ، مُشَوَّشٌ، قيمتُهُ دونَ اللّاشيء.
إنّ مهمّةَ الإنحطاطيّين، إجمالاً، هي شَقعُ الكلامِ في إنشاءٍ فوضويٍّ لا مَغزًى له ولا فَحوى، وفي أساليبَ مُعَركَشةٍ لا بدايةَ لها ولا نهاية، وفي مناخٍ تَهَجُّمِيٍّ يستحضرُ هولاكو، وهم يتبرَّعون لإعطاءِ صُكوكِ براءةٍ وطنيّةٍ لمجموعةٍ مستَقوِيةٍ قَسَمَتِ الناسَ شُرَفاءَ ورعايا، باحتكامِها الى قانونِ القوّة، بدلاً من قوّةِ القانون، وصادرَت، بالتالي، قرارَ البلادِ تحتَ ذرائعَ واهيةٍ غيرِ مقبولة. من هنا، فانحِطاطِيّو الظّهوراتِ الشّاشَويّةِ، هم لوثةُ الزّمنِ الرّديء، وفضيحةٌ إعلاميّةٌ يُقَصِّرُ المُعجمُ في الإبانةِ عن سوءِها، وعن الضَّرَرِ الذي تُعَمِّمُهُ، وعن قَصد، في أجيالِ النّاس.
إنّ المُطالبةَ الموضوعيّةَ هي الإسراعُ في سَوقِ هؤلاءِ الإنحطاطيّينَ، الجَهَلَة، أَقَلُّهُ، الى سجنِ الصَّمت، لإخلالِهم بضوابطِ الأخلاقِ، وشروطِ الحريّة، ومبادئِ احترامِ الآخر، فمَذاقُهم سَمِجٌ، ومشهدُهم المُمِضُّ لا أسبابَ تخفيفيّةً له. أنا لا أريدُ من مُطالبتي ضَبطَ هؤلاءِ، أن يَرعَوُوا ويعودوا عن غِيِّهم، فجرعةُ النُّضجِ لن تُجديَ نَفعاً بقابِعينَ في حيثيّةٍ جاهليّةٍ عَفِنَة، إنّ مطالبتي ترمي الى حَصرِهم في أقبيةِ النّسيان، حتى ينقرضَ انحطاطُهم ولا يُبعَثَ حَيّاً، أبداً.