.jpg)
البارحة، كان لي لقاءٌ نقديٌّ مع غادة أيّوب، فاستمعت إليها بصوتها، وملامحها، وتعابير وجهها، ودقّة مضمونها… لن أعدّد ما قالته غادة، بقدر ما أجد نفسي توّاقاً الى وصف حضور هذه المرأة الرّاقية، وما ترك حضورها الخلّاب، في، من أثر.
غادة أيّوب واحدةٌ من بنات الملوك اللّواتي يجمعن الملاحة مع الذّكاء، والفطنة مع الصّباحة، ويفتر الصّبا نضارة وجناتهنّ، ويرخّم ألفاظهنّ، ويبلّل بسماتهنّ بفتيت المسك، فتنضح أنوار الثقافة عن لطيف معشرهنّ، من هنا، تصنف غادة من هؤلاء النّساء الرّائدات. وإذا كانت الأيام، عندما تضيق ظلالها عن الحقّ، لا ترفع السّتارة في غير الزهادة، فذلك لا يعني، أبداً، أنْ ليس هنالك نوعيّاتٌ عظيمة. من هنا، لم أسألْ غادة أيّوب من أين لها التميّز والرّيادة، فتمرّدها على المألوف طغى على السّؤال، وصورتها ما كفتها الأبعاد، وفيض قيمها جوهرٌ لا يحصره كيان.
غادة أيّوب الخائضة مشروع الوطن، والمفوّحة حدائق الوفاء له بألقها، في النّضال وفي الأداء الرّاقي، أمتعتني، بطلّتها البارحة، علاماتٌ راجحة الفضل في الإنتماء الى الأرض، وفي الإنتساب الى الأخلاق، والفهم، والثقافة، واللّياقة، وهي من سمات الكبار، هؤلاء الذين قال عنهم ” أبو حيّان التّوحيديّ “: “إنّهم ليسوا إخوةً في الركالة، فما يتعلم الناس إلّا منهم…”.ومن غادة المواجهة، نتعلم الصّمود قبالة ما يسود في مجتمعنا من اتّقاد التبعيّة، والجولان في أقفاص الطائفية الشرسة، والعصبيّة الباهتة، والتّقليد العنكبوتيّ في تقديس منْ تورق خيانة الوطن في شجره، ذلك الذي حكم الدولة بعقليّة السّلطان لتبقى عاجزةً عن اللّحاق بركب العصر الحضاريّ.
غادة أيّوب التي يدعمها الذّوق الرّاقي، والذّكاء اللّاقط، والإتّزان الرزين، هزت فينا يقظة أنّ لبنان هو فرحٌ بالوجود، وليس مجرد مأساة، كما يحاول بعض الأمزجة النّافرة أن يرسّخه في الأذهان. فعلاقة الوطن بوجوده الكيانيّ، كما ظهّرتها غادة، ليست مفهوماً مشوشاً، بل حركة لها إيديولوجيّتها، ومنطقها، وهي، بالتالي، علاقةٌ إنبثاقيّةٌ لا تعارضيّة، وهي نهريّةٌ، كالحياة، تتجدد باستمرار، بفعل حركة المدنيّة والتقدّم والحضارة، وهي حركة النّضال الحرّ، ينبغي ألّا نتنكّر لها، فهي، وحدها، تنجّي شجرة الوطن من الذّبول.
لم ترغبْ غادة أيّوب الخبيرة في علم الإقتصاد، وكما يطيب لبعض الشاشويّين، أن تقهر الناس بأمل واه، في تخيّل حلول شعبويّة بعيدة عن التّحقّق. فغادة العلميّة لم تكدّس مواداً لا معنى لها، أو شعارات برّاقةً تجذب المقبوليّة السّاذجة لتنتج فرضيّة القبول والرّبح. ولم تملْ، كغيرها من الكثيرين، الى خلق سلسلة من الأشباح والألغاز التي تفقد الحقيقة الكثير من وضوحها، حتى تصبح نقوش هذه الأشباح أثمن من الحقيقة ذاتها. فالبساطة في طرح غادة، يستظرف سردها الرّقيق، جذّاباً في الأوصاف، وكثيفاً في المضمون، وناطقاً في المصداقيّة، ومثقلاً في التّوصيات، وكأنّه مقدودٌ من عقد منظوم لمع مداه المرونق، فأعجبنا.
لقد رأيت غادة أيّوب، ومن دون قصد منها، وقد حملت، في ذاتها، قضية المرأة التي لم تولدْ للوأد، بل هي ينبوعٌ صادقٌ عن الإحساس، وهي قادرةٌ على تمزيق التاريخ، كما يقول ” أدونيس “، وتملك قوىً إدراكيّةً تسهم بوجود أسمى. ومع ذلك، ما تبنت غادة ظاهرة النّظرة المثاليّة للمرأة، ولا صعدت لاستحضار صورة لها تسمو فوق المعقول، لكنّها أبرزت تركيباتها الإنسانيّة، ومعالم حيويّتها الغنيّة والمتشعّبة، والقادرة على المشاركة في إنهاض المجتمع من رقاده، لتثبت أنها ليست شجرةً مسمومة، بل هي كالرّيح، والرّيح لا ترجع القهقرى.
غادة أيّوب على طراز قصص المواقد بما فيها من مفاجآت خلّابة، عروفةٌ بمصنوع الأحاديث، ومن أحرص منْ يقبل، برصانة، على التلقّي. هي لا تلقي على وجهها الحجب، ولم تضعْ حاجزاً بينها وبين دعوة الناس الى مسالك العمل الوطنيّ المجدي. ففي توكيل النّاس إيّاها في الشأن العام، بسطت غادة قلبها للناس، وأقامت معهم رابط محبّة، وانّخذت الدّفاع عن حقوقهم، ديناً وخليقة. ولم تحلْ عن عهدهم، في التزام مشهود، ومسؤولية مذخّرة بالشفافيّة، فتمالحت مع اندفاع لا يشبع، وهي النّظيفة الأثواب، والمشهود لها بدقّة الفهم، وحلاوة الكلمة، وقوّة فعل الشخصيّة، وذكاء القريحة، وعذوبة الرّوح، والمهارة في الأداء الإجتماعيّ، والريادة في المقاربة الإقتصاديّة، وكلّ ذلك لم يعط إلّا للنّادرين. ومع ذلك، لم تفقدْ غادة الإتّجاه لأنها تعلم، تماماً، الفصل بين عالم الإدّعاء والإستعلاء، وبين عالم الوزن الحقيقي، فالتّواضع بيئتها الطبيعيّة.
غادة أيّوب القلقة على الصّدق الذي يلامس حميم قلبها، لم تصاهرْه على خدعة، بل كانت، به، لساناً من نار مندفعةً بالهمّة والنّضوج، تقوله ناصعاً نقيّاً، وبمحاججة ناشطة، صلبة كجبال الصوّان، فهي لم تردْ أن تسقى إلّا من دنّه. لقد نشّأت لسانها وسلوكها على إيقاعات الصّدق، ونبراته القويّة، وكان وثيقةً في ما قالت، وحاورت، وناظرت، ووعدت، لأنها آمنت بأنّ الصّدق كحلٌ ترى به ما لا تراه بأيّ نعمة أخرى.
غادة، يا صديقة الحقيقة، وإنْ صار الكمّ في كثرة الكلام عامل جذب في راهننا البغيض، فإنّ النوعيّ، وحده، يقدح ناره، ولا تتمّ قيمةٌ إلّا به. من هنا، إذا اخترنا طبقاً من مائدتك المرتدية زيّ النوعيّة، فلا يمكن إلّا أن يجذبنا ذلك الى إدمان جميع المائدة، فنتمنّى أن تبقى غادة أيّوب ” الطّاهية ” شغّالةً.