.jpg)
إنشغل الصحافي عبد الله قمح بتفنيد وضع الموارنة في لبنان، فخصّص لهم مقالاً، تحت عنوان “إلى الموارنة قادةً وكنيسةً قبل أن تقع الواقعة”، أقّل ما يُقال فيه إنّه من عجائب “التفحيط الاعلامي” تماماً كحال المحور الذي ينتمي اليه والذي يجعل من حروب “لو كنت أعلم” الدموية والتدميرية على لبنان واللبنانيين، راية لانتصارات إلهيّة، والله منها براء.
السيد قمح الذي لم يكتفِ بالتفنيد الفارغ من المنطق، تمترس خلف قلمه الممانِع ليوجّه النُّصح إلى الموارنة، ويوزّع الشهادات على رجالاتهم الروحيين والمدنيين، وقد فاته أن يلتفت إلى بيئته المنكوبة من جرّاء مخططات أربابها، خاصّة أنّها أولى بمعروفه النّصائحي.
فلِمَ يا سيّد قمح نراك منشغلاً هذا القدر بالموارنة؟ وهل تظنّ أنّ بسرديّتك الكتابيّة العوجاء هذه تستطيع أن تطمس ما ارتكبه محورك بحقّ الموارنة وكل المسيحيين وجل اللبنانيين؟ هل تتوهّم أن يقدر مقالك هذا على تغطية عيوب محورك الممانِع التي جرّت الويلات على لبنان والتي أسقطت الدولة فيه.
قبل أن تتحدّث عن خروج المسيحيين من الدولة، عليك تحديد هويّة الدولة التي تقصدها. هل تقصد تلك التي خُطِفَ قرارها لمصلحة مشروع الثورة الايرانية وأجندتها؟ هل تقصد تلك التي ضُرِب دستورها ونُهِشَت مؤسّساتها واغتُصِبَ مستقبل أبنائها لمصلحة وحدة المصير والمسار تارةً ووحدة الساحات طوراً؟ طبعاً لن يكون المسيحيون، الأصحّاء منهم، شركاء في هذا الاجرام الممانِع.
وقبل أن تُحاضِر عن حضور المسيحيين في الدولة، عليكَ أن تفقه أوّلاً تاريخ المسيحيين وأن تُدرك إطار وجودهم في شتّى بقعة، فلا يمكن للمسيحي أن يعيش في شبه دولة وبالتالي المسؤول عن غيابهم، متى غابوا، هو الذي جعل من هذه الدولة، مرتعاً لنزواته الوجودية ومخططاته الشمولية، والذي حوّل القانون ورقة يدوسها في مربّعاته المتفلّتة، بعد أن انقلب على الطائف في رفضه تطبيق بند سيادة السلاح الشرعي وأكمل في اضطهاد المسيحيين، قادةً وشعباً. المسيحيون لا يفقهون العيش في غياب الحرّية والعيش الكريم، شأنهم شأن كلّ أبناء الحياة من كلّ الطوائف، ففتّش يا سيّد قمح عن الذي خطف هناء اللبنانيين وارمِ عليه ملامتك المردودة.
وبعد، أن تقوم بتناول الموارنة بقالبٍ واحد، فأنتَ لا بُدّ متأثّر بالنّهج الشمولي لمحور الممانعة الذي لا يعترف بالتعددية والذي يتوهّم يومياً بقدرته على تحويل لبنان إلى مجتمع آحادي، وهو بذلك يحكم على نفسه بوهم “إبليس في الجنّة”.
ليسوا الموارنة في لبنان، على رأي واحد تماماً كحال كلّ اللبنانيين وهذا مؤسف، لأنّ فئة منهم، وهي في حكم الاضمحلال والحمدلله، قد رهنت نفسها لمحور الشرّ مع ارتباطها الدّنيوي أيّ السلطوي بالحزب وبقيّة سواد الممانعة، فابتعدت كلّ البعد عن الخط التاريخي للمسيحيين، وضمناً الموارنة، والذي يرتبط بالوجود الحرّ وبالاستقرار والازدهار والكرامة والحياة، لا بثقافة الالغاء والدّمار والذمّيّة والموت وبتحويل المجتمعات إلى بؤر حرب لإقامة مشروع أصفر عفّى عليه الزمن.
وعليه، إنّ ما أوصلنا إلى هذا الدرك من المأساة اللبنانية التي لا تنتهي، هو محور الممانعة بفروعه كافّة وعلى رأسها السوري والايراني، والذي خطف الاقتصاد والامن والامان والسيادة وأسقط الدولة عن بكرة أبيها، لأنّه محور يعتاش على الدماء والبراميل المتفجرة الأمونيوم. إسأل يا سيّد قمح يا “موضوعياً” عن مخططات محورك “سماحة ـ مملوك” التي كانت تهدف لتصفية رأس الكنيسة المارونية البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، قبل أن تتجرأ على ذكره في مقالك هذا وفق ما ينتمي إلى فكرك التخويني.
وأن تُعدّد يا سيد قمح، مراكز المسيحيين في وظائف الفئة الأولى لتقول بأنّهم خسروا حضورهم لحساب المسلمين، هو من دون أدنى شك، إشارة واضحة على غياب المهنيّة في عملك الصّحفي، والذي كان يُوجب عليك، أن تُخبر القارىء بأنّ نسبة الشغور التي ستطال الوظائف المخصّصة للمسلمين، خلال هذا العام، ستتخطّى تلك المخصّصة للمسيحيين، وفي الأصل من غير المقبول مقاربة الشغور الذي أنتجته سياسات الحزب التعطيلية بمعيّة فصائله الملحقة من تيارات وحركات الممانعة، من منطلق طائفي، لأنّ الأمر مرتبط بالدستور حصراً.
أمّا كلامك عن رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، فهو يؤكّد جهلك التّام لبديهيّة العيش المسيحي، لأنّ القائد الحكيم الذي اختار المواجهة عوض الهروب والصّمود عوض الاستزلام والمبادىء في المعتقل عوض الارتهان في السلطة، قد جسّد الفعل المسيحي بأنقى صوره.
بينما الشيطان الأخرس يا سيّد قمح، هو الذي يدّعي أنّه سيّداً فيما يرتهن لمشروع إقليمي ويرهن كلّ الشعب اللبناني معه، وهو الذي يصمت عن إطلاق حكومته لموقوفين بناءً على طلب “الامبريالية الاميركية” ويدّعي مواجهتها، وهو الذي إعترف بحقّ العدو في حدود بحرية ويدّعي قدرته على رميها في البحر بثوانٍ لكنّه يحرس حدودها منذ 17 عاماً، حيث يسقط القناع عن “الوعد الصادق” ليكشف وجه “وعد الخائن”.
أخيراً يا سيّد قمح، ولحدّ أدنى من المصداقية، حدّثنا عن النّجاح الاستراتيجي والوجودي لدى أحزاب معشرك، التي لم تجرّ سوى الويلات والكوارث والدمار على بيئتك، والتي تتقاسم اليوم حكم الأرض مع عصابات الاتجار والتشبيح فقطعت كلّ أنفاس الحياة والصّمود لديها. هل أنت منفصل عن الواقع أو ماذا؟
