




كتب إيلي حصروتي في “المسيرة” – العدد 1743
4 آب الحقيقة المرّة التي حفرت أثلاماً مع سقوط والدي غسان حصروتي تحت هياكل أهراءات مرفأ بيروت التي أبى أن يترك مكاتبها حتى في عز أيام الحرب اللبنانية.
4 آب الحقيقة الفاجعة التي كحلت عيون وقلوب وأجساد أهالي وأحباء 230 ضحية وأكثر من 6000 جريح منهم من لا يزال يرقد على فراش المستشفى للسنة الثالثة ومنهم من بات يحمل صفة معوّق. ماذا في حقيقة 4 آب التي دمرت العاصمة بيروت؟
السادسة وسبع دقائق من عصر ذاك الرابع من آب 2020 بكل فظاعته ومأساته، بكل الأسباب والتبعات، أظهر حقيقة مرض لبنان العميق، المرض الذي يعترينا، الحالة المتجذّرة فينا، والتي من خلالنا أصبحت واقع مجتمعنا ووطننا وحقيقة مدوّية في 4 آب 2020. إننا في حاجة ماسة لندرك هذه الحقيقة في المقام الأول، ونعترف بها، فنتحمل المسؤولية الملقاة على عاتقنا لتغيير هذا الواقع، حتى لا نبقى “ضحايا ٤ آب”.
الحقيقة في وقعها!
كنت أنتظر أن يكون يوم الرابع من آب 2020، يوم التحوّل المنشود في لبنان وفي العقليّة التي تسكننا والتي أدّت إلى تفجير مرفأ بيروت. لكن، بعد ثلاث سنوات من الحدث، أدركت أنّ لا طرق مختصرة في التطوّر، والتحوّل الذي نرجوه في مجتمعنا وفي لبنان وللبنان هو رهن كل خطوة عمليّة نأخذها بهذا الاتجاه، ولا يمكننا تخطّي أي خطوة. فلا نستنظرنّ من العقليّة التي فجّرت أن تُحقّق العدالة. لذلك العدالة لا تزال متعثّرة، ونرى السعي مستمرًا لاستكمال الحياة في لبنان على نفس النمط، كأنّ شيئًا لم يكن. فكم من الجرائم والاغتيالات والحوادث نعرف تفاصيلها بالوقائع والأدلة ولم يتغيّر شيء؟ وكم من البديهيّات والمسلّمات معروفة حول تفجير المرفأ؟ كأنّ التسلّط والخيانة والغدر والقتل والظلم والقمع والرياء والخبث والفساد والسرقة أصبحت جميعها أمورًا طبيعيّة مقبولة، وفقدت الحقيقة وقعها فغاب الحق وساد الخنوع والخوف واللامبلاة واستشهد الضمير وماتت الحياة. الحقيقة تُحرّر، الحقيقة تجمع، الحقيقة تُحيي، لأنّ الحقيقة عمادها الحياة وصوت الضمير. فقط العدالة المبنيّة على الحقيقة هي الأساس الوحيد للسلام.
قضيّة وعي
في هذا السياق، يبرز أكثر فأكثر أنّ قضيّة 4 آب هي قضيّة وعي على مساحة الوطن والعالم. وعي يستطيع أن يُحرّر، أن يجمع، أن يُطوّر كما الحقيقة في وقعها. وعي يبني إنساناً حقيقياً، وطن منيع، وعالم أكثر عدالة. وعي يُؤسّس للسلام المرجو القائم على المشاركة والإنسانيّة وليس على موازين القوى. المدخل إلى هذا الوعي يفترض علينا أوّلًا أن نتعلّم ممّا جرى في 4 آب فيكون لنا عبرة اليوم في حياتنا، ومحطة مع الذات نتّعظ منها، ونُلاقي من خلالها الآخرين والعالم. بذلك ننتقل من موقف الضحيّة إلى تحمّل المسؤوليّة، ونُصبح من الناجين. بدل أن يأسرنا هذا التاريخ ويُجمّدنا ويضعنا بمواجهة مع الآخر، نختار الوعي لنتحرّر ونتطوّر وننطلق صوب الآخر، لأن قضيّة 4 آب قضيّة وطن، قضيّة إنسانيّة وطنيّة جامعة، قضيّة كل لبناني وكل إنسان. 4 آب يختصر مرض لبنان، وطريقة خروجنا معًا هي بداية لخلاص لبنان.
مبادرة 4 آب
كل الذي أوصلنا لهذا التاريخ نريد أن نحوّله إلى قناعة ومهارة حتى لا نعود إليه، مثل العمل الجماعي بدلًا من الفردنة، التكامل والتضامن بدلًا من الأنانيّة، العمل المتقن والاحتراف بدلًا من العمل المجتزأ وغير المحترف، الكفاءة والاختصاص بدلًا من الواسطة والمحسوبيّات والزبائنيّة، وما إلى ذلك. المطلوب خطوات صغيرة تدعمها صداقة كبيرة. نحن نحصد اليوم ما لم نزرع، وغيرنا سيحصد في يومٍ من الأيّام ما نزرعه الآن بقلب هذا التحوّل إلى الوعي والمبادرة الذي يكشف لنا عالمًا جديدًا، حاضرًا وفاعلاً، وجوعًا كبيرًا في أعماقنا للحق، للّقاء والتضامن، للخير، للمحبّة، للإنسانيّة، للمشاركة، للتميّز، للتطوّر، للحياة. جوع هو نتيجة أهراءات مُفجّرة، ولا يسدّه غير الذين اختاروا أن يكونوا قمح الوطن.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]