
يجمع مختلف الخبراء والمتخصصون في الشؤون المالية والاقتصادية، على أن التضخم الذي أدى إلى فقدان الليرة لنحو 95% من قيمتها وقدرتها الشرائية مقابل الدولار الأميركي، منذ اندلاع الأزمة في تشرين الأول العام 2019، لم يعد يتيماً.
جولة قصيرة على الأسواق التجارية تكفي لملاحظة هذا الأمر بسهولة. فغالبية المستهلكين، حتى الذين يقبضون رواتبهم بالدولار أو يمتلكون مدخرات بالعملات الأجنبية، يشتكون من أن قدرتهم الشرائية عادت لتوازي الحالة التي كانت عليها قبل اندلاع الأزمة، أي عندما كان الدولار على سعر 1.500 ليرة.
هذا الأمر، يؤكد عليه عدد من الخبراء، الذين استطلع موقع القوات اللبنانية الإلكتروني آراءهم، إذ يوضحون أننا “دخلنا اليوم مرحلة التضخم في الدولار بعد تضخم الليرة، قياساً على القدرة الشرائية وتقريش الدولارات إلى سلع استهلاكية”، لافتين إلى أنه “في بداية الأزمة، لم تتأثر الناس بشكل فوري مع ارتفاع سعر الدولار تدريجياً، فالغالبية كانت تمتلك مدخرات ساعدتها للتأقلم مع الوضع في المرحلة الأولى، لكن أوضاعها بدأت بالتراجع تباعاً”.
يضيفون: “قسم كبير من الموظفين في القطاع الخاص استمروا في قبض رواتبهم بالدولار بعد اندلاع الأزمة، إلى فترات مختلفة بين قطاع وآخر، بالتالي لم يتأثر هؤلاء كثيراً. لكن الأمر بدأ يتغيّر تدريجياً مع استمرار تدهور قيمة الليرة وارتفاع سعر الدولار، وبعدما أوقف عدد من القطاعات الدفع لموظفيه بالدولار، فيما البعض الآخر خفَّض المعاشات إلى النصف، وبعضها قسَّم المعاش إلى قسمين، نصفه بالدولار الفريش والنصف الآخر بالليرة على دولار الـ1.500 ليرة، وما شابه”.
الخبراء ذاتهم، ينوّهون إلى أنه “عند اندلاع الأزمة كانت معظم السلة الغذائية والأدوية وحليب الأطفال والبنزين والمازوت، وغيرها من السلع والحاجات الأساسية، مدعومة على دولار الـ1.500 ليرة. بالتالي، كان الموظف الذي يقبض بالدولار، أكان معاشاً كاملاً أو نصف معاش، يعتبر مرتاحاً، واستمر في حياته بشكل مقبول. وكثير منا سمع مقولة (نيّالو عم يقبض دولار أو معو دولار)”.
يتابعون: “بدأ الجميع، حتى الذين يمتلكون الدولار، يشعرون بوطأة الأزمة مع رفع الدعم التدريجي عن السلع الغذائية والمحروقات والأدوية وغيرها. فالـ100 دولار كانت تملأ عربة في السوبرماركت، بينما اليوم بالكاد تملأ بعض الأكياس يحملها المستهلك بين يديه إلى سيارته. ما يعني أننا أُصبنا بعد تضخم الليرة بتضخم الدولار الذي فقد أيضاً قسماً من قيمته الشرائية، وبدأ يؤثر على المستهلكين”.
الخبراء يشيرون في السياق ذاته، إلى أن “أسعار معظم السلع عادت تقريباً إلى ما كانت عليه في زمن دولار الـ1.500، من الناحية النسبية وكقدرة شرائية. من دون أن يعني ذلك أن من يقبض بالدولار كالذي يقبض يالليرة، بطبيعة الحال، لكن لا يمكن مقارنة وضع من يقبض بالدولار اليوم بوضعه عند اندلاع الأزمة، فهو اليوم (مرتاح) بنسبة أقل كمعيشة يومية، لكن إن احتسبنا المرض والأدوية ودخول المستشفى أو أي حالة طارئة أو حادث يتعرض له، فوضعه لا يختلف عن غيره من المواطنين”.
“كما لا يمكن أن ننسى تضخم الأسعار عالمياً الذي انعكس بطبيعة الحال في كل مكان، على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية وأزمة كورونا وغيرها من الأزمات”، وفق الخبراء، الذين ينصحون بأنه “على اللبنانيين، حتى الذين يقبضون رواتبهم بالدولار أو تصلهم حوالات من أقاربهم لمساعدتهم، أن ينتبهوا ويتأقلموا تباعاً، لأن قيمة دولار اليوم عندنا لم تعد كدولار الأمس”.