#adsense

عودة نغمة حِلف الأقليّات

حجم الخط

مقدّمة:

إنّ نظرةً دقيقةً الى تنوّع النّاس في مجتمعاتِ العالم، تؤكّد على توزّعهم في أكثريّات وأقليّات تختلف في أُصولِها، وثقافاتِها، ومعتقداتِها، ما يستبعدُ، حُكماً، وجود تَجَمّع أحاديّ العِرق، والمذهب، واللّهجة. ومع ذلك، عَمِلَ بعض القَيِّمين الإنفتاحيّين، وبعض المرجعيّات في الأمم المتّحدة، الى طرح مسألةِ الاندماج، والاستيعاب، والتَّعايش، لكنّها كانت مُتفاوِتةَ النتائج وردّاتِ الفِعل، وبشكلٍ واسع، بين دولةٍ ودولة، وبين أمّةٍ وأمّة، فقد برز شعورٌ حادٌّ بالأَقلّويّةِ في أمكنةٍ متعدِّدة، بينما لم يُشعَرْ به مُطلَقاً في أماكنَ أخرى، استناداً الى التّفاعل القانِع بين الشّرائح المُتعايشة، والى مستوى تَوَغّلِها في مسيرةِ الحضارة.

الواقعُ الشَّرقي:

إنّنا نجدُ في العالم الشّرقيّ مجموعاتٍ بانوراميّة التوجّه، أكثرُها لا يزالُ محكوماً بنظامِ المِلَل، لذلك، فإنّ التّعايش بينها، إِنْ لم نَقُلِ التّساكن، هو محكومٌ بقانونِ الطّوارئ، وبتراكمات التعصُّب، وبالفوقيّة العدديّة. وقد عَملَت الظّروف السياسيّة، والاقتصادية، المُتعاقبة على صَبِّ زيتِ العدائيّة على نار الخلافات، ما أدّى الى تَراجُع مؤشّر الاندماج، والى تفاقمِ مشكلة التّناقضات، والى تَعَدُّد مصادرِ الاضطراب والتوتّر. إنّ عدم الاستقرار أَنتج ممارساتٍ قمعيّةً من جانب الأغلبيّاتِ المشحونةِ بالعَزفِ على الوَتَرِ الطّائفيّ، والمذهبيّ، وذلك في أكثرِ دُولِ العالَمِ الشّرقيّ، خصوصاً بعدَ اندلاعِ مواجهاتٍ دمويّةٍ انتزعَ فيها الأصوليّون المبادرة، ومارسوا أسوأ ما أفرزَتهُ العقليّة الرجعيّة المتزمّتة، ما أعاد عقارب الزمن الى عصور الظّلام.

نتائجُ التّناقضات:

لقد جرى تَمويهُ هذه الحالِ الخَشِنةِ، بانفتاحٍ اصطناعيٍّ لصُنّاعِ السياسةِ الذين اعتبروا، زُوراً، أنّ الأَفرادَ مواطنونَ متساوونَ في الحقوقِ في هذه الفسيفساءِ الغريبة. لكنّ الوقائعَ أثبتَت، وبدونِ كبيرِ تَمحيص، انهيارَ هذه الإدّعاءات، بانتهاكٍ فاضحٍ للحريّات، واختفاءِ منظومةِ حقوقِ الإنسان، وإقصاءِ الفئاتِ الضّامرةِ العَدَدِ عن المشاركةِ في صنعِ القرار… أمّا إذا وقعنا على حالةٍ من المشاركة، فهي، بالطَّبعِ، انتقائيّةٌ وعابرة، وهي خطّةٌ ترويجيّةٌ لديمقراطيّةِ مُزَيَّفةٍ تدّعيها المجموعةِ المُسَيطرة، والتي تسترُ ديكتاتوريّةً منغلقةً ذات استراتيجيّةٍ سافرةٍ قوامُها نَبذُ التعدّديةِ، والعملُ على التخلّصِ من الأقليّات، طَوعاً أو قَسراً.

لا تزالُ الديمقراطيّةُ في العالَمِ الشّرقيِّ رخوةً وهشَّة، وربّما عن قَصد، ولا تزالُ حقوقُ الإنسانِ تنتظرُ فرصةً لتناميها في أرضٍ ليس مبدأَها الأساسيَّ احترامُ التنوّعِ الثّقافيِّ والحضاريّ. وهذا جَلِيٌّ في انحسارِ إمكانيّاتِ المساواةِ، والتّكافل، والتّكافؤ، في الحياةِ السياسيّةِ والإجتماعيّة، ما يضمنُ استمرارَ العنصريّةِ، والتعصّب، والتّمييزِ بين دَرجاتِ الرّعايا. وقد أدّى هذا الواقعُ الى تَفَشّي شعورٍبالظّلمِ لدى الأقليّاتِ الموجودةِ في الأوقيانوسِ الشّرقيّ الذي لم يُراعِ منطوقَ المواثيقِ الدوليّةِ، وشرعةَ حقوقِ الإنسان، خصوصاً، حقوق الأقليّات. وقد اعتبرَ بعضُ الأغلبيّاتِ المتسلّطةِ هؤلاءِ الأقلويّينَ وكأنّهم من غيرِ سُلالتِهم، فوَجَبَ اضطهادُهم، وتهميشُ دَورِهم، والإطباقُ على حقوقِهم، والتّعاملُ معهم كلاجِئين.

حقيقةُ الأقليّات:

إنّ الشّرائحَ الأقلويّةَ في بلدانِ العالَمِ الشَّرقيّ، والتي لم تَغِبْ عن مكوِّناتِها وقناعاتِها عناصرُ المواطنة، إنتماءً وولاءً، ودفاعاً عن الكيانِ والهويّة، ومساهمةً في رُقيِّ البلدانِ التي تقطُنُها، لم تعتبرْ نفسَها، يوماً، حالةً مُقيمةً لِأَجَل، أو مجموعةً ” أَجنبيّةً ” بحاجةٍ الى حمايةٍ، أو جماعةً دخيلةً على السكّانِ الأصليّين. لكنّ موقفَ الأغلبيّاتِ المتشنّجةِ في قضيّةِ الأقليّات، نَمّى لدى هؤلاءِ الشّعورَ بالعزلة، والشكّ، والخَوفِ على المصير، خصوصاً بعدَ المواجهاتِ الإثنيّةِ والعِرقيّة، والمضايقاتِ المتلاحقة، والفوقيّةِ الحادّة… والأمثلة في هذا الصَّدَدِ لا تفوتُ ثاقِبي النَّظر. إنّ تغييبَ الديمقراطيّةِ، ومَنعَ الحريّات، ومصادرةَ الحقوق، أنتجَتِ استبداداً حَرَمَ الأقلَّويّينَ من التمتّعِ بمواطنيّتِهم، من خلالِ المجاهرةِ بأديانِهم، وإقامةِ شعائرِهم، وإحياءِ طقوسِهم، والمحافظةِ على خصوصيّاتِهم، ومشاركتِهم في الحياةِ العامة.

رسالةُ الأقليّات:

يحاولُ الأقلويّون في العالَمِ الشّرقيّ، إفهامَ ذَوي الأعداد، بأنّ حقوقَ الإنسانِ هي قضيّةُ إلتزامٍ وليسَت قضيّةَ امتياز، وبأنّ الأقلويّينَ هم مواطنونَ كغيرِهم، وهم تحت مظلّةِ القانون والإنسجامِ الوطنيّ، ولا يحتملونَ الإنتهاكاتِ على مستوى وجودِهم، واستقرارِهم، واستمرارِهم، وهم مستعِدّون، وعن حقّ، أن يواجهوا بالطُّرُقِ المؤاتية والمشروعة، حفاظاً على حقوقِهم الدستوريّةِ والميثاقيّة، فهم، في الحقيقة، ليسوا عِبئاً على الدولة، بل هم عِرقٌ من عروقِها، ويحقُّ لهم، كسواهم، أن يتنعّموا بالعدلِ والحريّةِ واحترامِ الحقوق، استناداً الى معادلةِ الحقوقِ والواجبات.

خاتمة:

يقولُ غاندي : ” الحِكمُ على حضارةٍ ما، يجبُ أن يعتمدَ على معاملتِها للأقليّاتِ الموجودةِ فيها “.

والعِبرةُ لِمَنِ اعتبَر…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل