Site icon Lebanese Forces Official Website

من جريمة السان جورج إلى “مرفأ بيروت”…

كتب أنطوان سلمون في “المسيرة” – العدد 1743

من جريمة السان جورج إلى “مرفأ بيروت”…

تعددت الفرضيات والمجرم واحد

تأتي الذكرى الثالثة  لجريمة تفجير مرفأ بيروت مع استمرار استصراخ ضمائر المسؤولين في الداخل والخارج وصراخ وأنين المتألمين من ثكالى وأيتام وأرامل وجرحى ومتضررين، مُنادين بالنذر القليل من العدالة وبالوفر الكثير من الحق والحقيقة… وللأسف استطاع القيّمون على السلطة والمهيمنون عليها  إبعاد أي تحقيق دولي واستبعاد أي حديث عن لجنة تقصّي حقائق في قضية المرفأ على عكس ما حصل بُعيد اغتيال الحريري حيث تضافرت جهود وتواصلت ضغوط العالمين العربي والغربي الى أن توصّلت الى حكم المحكمة الخاصة للبنان بقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري والذي أدان “أفراداً في حزب الله” بالضلوع المباشر بالاغتيال.

في الجريمتين عملت السلطات الأمنية العسكرية والسياسية المعروفة الاتجاه الممانع على القيام بمحاولات حثيثة خبيثة لحرف التحقيقات عن مسارها ولتضليل المحققين وحتى لطمس الأدلة وإخفائها…

وعلى غير عادات أطراف الصمود والتصدي والممانعة لم تسارع هذه القوى الى اتهام إسرائيل لا في جريمة 14 شباط 2005 ولا في جريمة تفجير 4 آب 2020. ففي جريمة شباط 2005 تبّرع النظام الأمني السوري بشقيه الشرعي واللاشرعي منذ لحظة اغتيال الحريري بتبرئة إسرائيل عبر التركيز على الترويج لشريط الفيديو الذي بثته قناة الجزيرة القطرية ويتبنّى فيه “أحمد أبو عدس” باسم جماعة “النصرة” و”الجهاد في بلاد الشام” مسؤوليته عن اغتيال الحريري، مبرّرا عملية اغتياله بعلاقته مع حكام السعودية. وهنا لا بد من الإشارة الى المعلومات التي تحدّثت عن ان المدير العام للأمن العام آنذاك اللواء جميل السيد اتصل بمحطات إعلامية وبإعلاميين نخصّ منهم الشاهدة والشهيدة الحيّة مي شدياق مصرّاً عليهم عرض الفيلم الذي يعلن فيه أبو عدس أنه الانتحاري الذي فجر نفسه بموكب الرئيس الحريري.

وفي ملفات المحكمة الخاصة بلبنان تبيّن أن المتهم الخامس من “حزب الله” حسن حبيب مرعي هو من “تولى تنسيق إعداد الإعلان المزعوم عن المسؤولية (شريط أحمد أبو عدس) كجزء من أعمال التحضير للاعتداء والسير قدما فيه”.

ليدلي من بعدها وزير الإعلام آنذاك إيلي الفرزلي بتصريح في 19 شباط 2005 لقناة العربية يقول فيه: “إن الرأي العام سيتأكد أن الانفجار هو انفجار سيارة عبر عملية “استشهادية”، منتقدًا بشدة المطالبة بتحقيق دولي في اغتيال الحريري”.

وليقول في نفس اليوم وزير العدل “الذائع الصيت” عدنان عضوم: “إن السلطات تشتبه في 6 أشخاص غادروا بيروت بعد اغتيال الحريري بساعات الى أستراليا. ورصدت آثار مادة “ت.ن. ت” على مقاعد بعضهم في الطائرة، ولم يحدد عضوم هوية المشتبه فيهم واكتفى بالذكر أنهم على ارتباط بأوساط أصولية… وليتبيّن لاحقاً عدم صحة ادعاء وزير العدل.

وأوضحُ “استبعاد لإسرائيل” كان لرئيس الجمهورية اللبنانية “المقاوم” إميل لحود، إذ أجاب في 23 حزيران 2005 ردّاً على سؤال حول من قتل رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري لمحطة LCI الإخبارية الفرنسية: “يجب أن نعرف ذلك بعد التحقيق الدولي الذي يجري حالياً، وأنا أسأل من هم أعداء لبنان الذين لا يريدون الاستقرار فيه”؟ وسُئل: “ليس للبنان سوى عدو واحد على الحدود الجنوبية، أتقصدون إسرائيل؟” فأجاب: “هناك التطرف، وهو عدو لبنان وقد شهدنا صراعات مع المتطرفين منذ سنوات، وهم من الإسلاميين المتطرفين. طبعا الإسلام دين معتدل، وهو ليس بالمتطرف، ولكن هناك إسلاميين متطرفين يعلنون الحرب على العالم ليحكموه”.

ليؤكد وزير الداخلية السابق سليمان فرنجية في 16 أيلول 2006 “أن الـ13 شخصًا المنتمين الى “القاعدة” والذين اعتقلوا في لبنان اعترفوا بأنهم اغتالوا الحريري في أول يوم لاعتقالهم. ويعود ويكرر في 14 تشرين الأول 2008 مضيفاً على مجموعة الـ13 مجموعة الستة الذين غادروا الى أستراليا، على لائحة المتهمين”؟

ومن ضمن المستبعدين للفرضية الإسرائيلي في اغتيال الحريري الرئيس السابق ميشال عون الذي صرّح في 15 شباط 2005 لفرانس 2: “أنا أكيد بأن سوريا هي التي اغتالت الحريري”، ليعود بعدها ليؤكد في 30 كانون الثاني 2006 لتلفزيون الجديد: «من يعرف من هو القاتل باللحظة التي تقع فيها أي جريمة بما فيها جريمة اغتيال الحريري يكون إما شريك وإما فاعل بالجريمة.”

وبعدها ليتبنّى وجهة نظر النظام الأمني السوري – اللبناني في حلقة “كلام الناس” مع مارسيل غانم مع المؤسسة اللبنانية للإرسال في 2 شباط 2006: “يمكن أن نستنتج أنهم الأصوليون: ممكن ـن تكون مجموعة من هذه المجموعات الإرهابية التي تستعمل العنف من أجل تحقيق غاياتها، وأن المسار السوري ـ اللبناني في التحقيقات غير سليم”؟

واللافت أن صحيفة “الأخبار” القريبة من “حزب الله” نشرت، وعلى حلقات إبتداء من 8 تشرين الأول 2007، “اعترافات مجموعة الـ13 باغتيال الحريري”.

وتجدر الإشارة الى أن “حزب الله” لم يتهّم إسرائيل باغتيال الحريري إلا بعد أن انتقل مسار التحقيق من النظام السوري – اللبناني الى الأدلة التي تدين “حزب” الله عبر تحقيقات وداتا المعلومات التي قام بها واكتشفها الشهيدان الوسامان عيد والحسن… ليعرض الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله لرد التهمة – بعد خمس سنوات على اغتيال الحريري وعلى الترويج لروايات الأصوليين السنّة ـ وتحديدًا في 10 آب 2010 مشاهد فيديو وصورًا اعتبرها هو “قرائن” لا “أدلة” لإدانة إسرائيل… أتت متأخرة بعد التلبّس بجرم الداتا والتلازم المكاني المكشوف للمجرمين ذوي الصلة.

ولم يختلف الإداء الممانع في قضية تفجير المرفأ عن إدائه في اغتيال الحريري. فمنذ اللحظة الأولى للانفجار سارعت قناة “المنار” بإذاعة خبر عن انفجار مفرقعات في مستودع في مرفأ بيروت… وليستنسخ الترويج لمسؤولية “معلم التلحيم” في تفجير المرفأ الترويج لمسؤولية “أحمد أبو عدس” في اغتيال الحريري… كما أن “حزب الله” ومسؤوليه لم يلتقطوا ما قاله رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب بُعيد الانفجار ولم يعلّقوا: “أن الانفجار القوي الذي هز بيروت يبدو كأنه “اعتداء رهيب”. مضيفا “قابلتُ جنرالاتنا، ويبدو أنه لم يكن حادثا صناعيا. يبدو، وفقاً لهم، أنه كان اعتداء. كان قنبلة ما، نعم”.

كما ان الحزب لم ينزعج من عدم تلبية الدول الغربية “إرسال الصور الجوية” للحظة انفجار المرفأ… وطبعًا وكما حصل من تضييق على المحققين الدوليين والتحقيق الدولي في قضية اغتيال الحريري حصل الأمر نفسه مع التحقيق اللبناني المحلّي في قضية تفجير المرفأ ومن نفس الأطراف “البريئة” من الجريمتين من إبعاد واقصاء للمحقق الأول فادي صوان الى تهديد مباشر بـ”القبع” للمحقق الثاني طارق بيطار عبر زيارة “غير وديّة” لمسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في “حزب الله” الحاج وفيق صفا، ليتبعها تجميدٌ للتحقيق ما زال ساري المفعول. وفي جريمة المرفأ استطاع من رفض التحقيق الدولي في جريمة الحريري فرض رأيه في جريمة المرفأ ملتقياً في المصلحة مع “دول الاستعمار الغربي” الذي لم يحرّك قوته الضاغطة ولا قنواته الدبلوماسية من أجل تحقيق دولي محايد وشفّاف.

رُبَّ متسائلٍ مشكِّكٍ مستغرِبٍ لماذا يتهم “حزب الله” إسرائيل بكل شاردة وواردة حتى باغتيال أعدائه… ولم يفعل في المرحلة الأولى بُعيد اغتيال الحريري كما لا يفعل بعد تفجير المرفأ؟

من ضمن أهداف اغتيال الرئيس رفيق الحريري ـ كما يتبيّن ـ هو الطائفة السنيّة عبر تصفية زعيمها الأكبر والأوحد ومن بعدها عبر شيطنتها وشقّها “بالتطرف” وتهمة اغتيال الزعيم السنّي الأكبر لذلك أستدرج أحمد أبو عدس وفبرك الفيلم وروج له بالإعلام وبالقوة الأمنية المعروفة. كما روّجت وفبركت اتهامات لأصوليين سنّة (مجموعة 13 والحجاج الستة الأستراليين) ولكن الضغط الدولي والعربي والمحلي أنتج “لجنة تقصي حقائق دولية”، تحقيق دولي وثم محكمة دولية خاصة بلبنان لتُفضي الى ما أفضت إليه…

وفي قضية المرفأ وبعد مرور ثلاثة أعوام على التفجير استطاع الحزب وحلفاؤه وبغض نظر دولي أوروبي تجميد القضية ووضعها في البرّاد… ولو تباهت إليها فرضًا بأنها وراء عملية التفجير وأن “حزب الله” وجّه سهامه الاتهامية لإسرائيل كونها هي من تسبّبت بالانفجار عبر قصف أو تفجير العنبر 12 لارتدّت هذه السهام على صدر الحزب، إذ سيكون قد أجاز لنفسه تخزين تلك المواد في منطقة سكنية مكتظة من دون مراعاة لا سيادة ولا سلامة عامة؟ ولكان الحزب سيتحمّل تبعات الردّ أو عدمه على الجريمة الإسرائيلية… ولو تباهت إسرائيل بمسؤوليتها لحوّلت نفسها مجرمة حرب تسببت بكارثة إنسانية بالبشر والحجر.

وللختام ووسط الظلم والظلمة لا بد من القراءة برجاء وأمل في بيان البرلمان الأوروبي في 13 تموز 2023 في موضوع انفجار المرفأ مع ضرورة المتابعة والملاحقة: “طالب الإتحاد بتحقيق شفاف ومستقل وحيادي وفعال في انفجار مرفأ بيروت واعتبره أولوية يجب ضمانتها. وطالب السلطات اللبنانية بالمساعدة على التحقيق مع المسؤولين عن القرارات التي أدت إلى الانفجار ومحاسبتهم. كما طالب بإرسال بعثة دولية مستقلة لتقصي الحقائق إلى لبنان للتحقيق في انفجار بيروت في إطار الأمم المتحدة مع الإصرار على محاسبة المسؤولين بشكل مباشر أو غير مباشر عن الخسائر في الأرواح والأضرار جراء الانفجار. وحث الإتحاد السلطات على التعاون الكامل مع القاضي بيطار، الذي يقود التحقيق في ملف مرفأ بيروت. وطلب من الدول الأعضاء مساعدة عائلات ضحايا انفجار المرفأ قانونيًا لرفع دعاوى قضائية في محاكم وطنية وأجنبية ومحاكمة السياسيين المتهمين بارتكاب فظائع بموجب الولاية القضائية العالمية، طالبًا من مجلس حقوق الإنسان إصدار قرار بإنشاء وإرسال بعثة تقصي حقائق مستقلة ومحايدة من أجل تحديد ظروف الانفجار”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​​​​​​​​​​

Exit mobile version