
هناك، عند كوع الكحالة سقط نمر من… ورق! هناك عند كوع المقاومين الأصيلين منذ اندلاع الحرب اللبنانية، المكان الذي سطّر بطولات الأهالي والمقاومة اللبنانية، فمنعوا دخول المسلحين الفلسطينيين والعسكر السوري المحتل الى البلدة، عاد وفي المكان نفسه وأسقط من جديد، من يوهم اللبنانيين أنه هو الأقوى حتى من قدرة الرب نفسه، وأنه قوة إلهية فائقة الوجود والحضور، عبر ترسانة صارت هرمة بهيبتها، ومقاتلين يقولون عنهم إنهم يفوقون سوبرمان بقدراتهم القتالية، وإذ بهم وأمام حقّ أهالي الكحالة، وتصديهم لمرور شاحنتهم المحملة بالأسلحة والذخائر، يطلقون النار على السكان خوفاً منهم، ويقتلون فادي بجاني ومن ثم يلوذون بالفرار، بعدما وضعوا شاحنتهم بعهدة الجيش اللبناني! أي قوة فائقة تلك، التي حوّلت سلاحها الى صدور اللبنانيين العزّل تماما كما سبق وحصل في غزوة عين الرمانة “المجيدة”؟!
واضح أن العدو “الصهيوني” الوحيد لسلاح “الحزب” هو الشعب اللبناني نفسه! هذا هو منطق الميليشيا المتحكمة بمفاصل الدولة اللبنانية، هذا هو حكم تنظيم الحزب، هذه هي منظومة “المقاومة” التي بأمها وأبيها وأجيالها المؤدلجة وترسانتها وسيدها المتشاطر دائماً على برلمانها وحكومتها، لا تقاوم الا قيام الجمهورية اللبنانية القوية، وليس صد العدو “الصهيوني” الغاشم كما يدّعي إعلامها وأسيادها!
هناك عند كوع الكحالة، وأمام مشهد شاحنة الحزب المنقلبة، وتصدي الأهالي الشرس لمنع عبورها ولمعرفة محتوياتها، بعدما استشاط عناصر الحزب غضباً لمحاولات الكحّاليين المساعدة بعد الحادث واعتبار هذه المساعدة استفزازاً لمنطق “القوة الفائقة”، تسلسلت في عيون اللبنانيين كل تلك الاحداث الدموية العابرة في الأشهر الثلاث الاخيرة، ابتداءً من اعتداء القرنة السوداء حيث سقط شهيدين برصاص غادر، وصولاً الى عين إبل حيث سقط لنا مقاوم كبير بكمين مسلح، ثم شاحنة الكحالة التي شاءت الصدفة الغريبة أن تقع أمام كنيسة مار انطونيوس وعند أقدام الصليب، ربما في إشارة الى أن الله يراكم دائماً، والله لا يناصركم كما تدّعون، لأنكم تعتدون على أرضه وشعبه. لبنان وقف الرب لا تنسوا، ولعلّ سقوط الشاحنة كان ليكون رسالة من السماء، بأن غضب الناس ما عاد يُحتمل، وأن دائرة تلك الغضب تتسع وتتسع لتصل حتى الى من يدعي الحزب بانها بيئته الحاضنة، في حين أن كثراً كثر من تلك البيئة، يعانون بصمت الخوف أكثر مما يعاني اللبنانيون أنفسهم. صار آداء “الحزب” لعنة اللبنانيين، وسلاحه الذي يتمرجل به عليهم ما عاد يخيفهم، والتصدي لكل تلك المنظومة القاتلة، صار بمثابة صلاة الشعب اللبناني بكل طوائفه.
هناك عند كوع الكحالة لم يستشهد فادي بجاني وحسب، بل سقطت فكرة الدولة عن بكرة أبيها، إذ بدل مصادرة الشاحنة واعتقال العناصر التي أطلقت النار على الأهالي مباشرة على الهواء، وتحت عيون آلاف الكاميرات، التي التقطت اللحظة بحذافيرها، ينسحب المذنبون، ويمنع الأهالي من الاقتراب من الشاحنة، وأكثر من ذلك، يصدر الحزب بياناً، يحوِل فيه القاتل الى ضحية والشهيد الى قاتل!
أي خراب بعد أكثر من هذا، أي انقلاب هذا على الحياة برمتها في لبنان، أي انتهاك فاضح هذا للدولة في عقر دارها؟ هذا هو منطق الدويلة السائد، هذا هو حكم “القوي” المفترض الذي، هناك وبلمحة تصدي من أهالي الكحالة الأبطال، تحوّل الى مجرد نمر من ورق، أسقطه صوت الحق ولا صوت يُعلى عليه. هناك عند كوع الكحالة، كانت أبلغ الرسائل، بأن “القوي” قوي بانتمائه الصافي للبنان، وأن القوي إياه صار مرفوضاً، وأن سلاحه مجرد خردة حين يواجَه بغضب الشعب الهادر.
