
كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1743
القرنة السوداء
ضاع الإسم… وما ضاع حد وراءه مُطالب!
لا أحد يريد أن يُعطي مسألة القرنة السوداء أكثر من حجمها، ولكن لا أحد يقبل أن تصبح الحقيقة مشاعًا والأرض متاعًا وأن يضيع الحق في متاهات التهديد. ليست المسألة مسألة حدود ضائعة بل مسألة من عرف حدّه فوقف عنده فاستحق الطوبى لنفسه لا التطويب مَلِكًا على مُلْكِ الآخرين. حيكت المقالات الكثيرة في ما خص نزاع القرنة والنزاعات المشابهة ونُسجت المواقف، منها ما أصاب ومنها لا، لكن جوهر المسألة أن أسباب الخلاف أحيانًا لا تُعلَن ودائمًا لا تُعالَج، إما عجزًا أو إهمالًا أو حتى عمدًا بقصد إبقاء القضية ورقة للاستثمار بها عندما تدعو الحاجة. جيّد أن الأمر لم يتطوّر لإن البلد في غنى عن مزيد من الاضطرابات والسقطات، وأن الكل عمل على التهدئة، لكن ما هي الخطوات خصوصًا من السلطات الرسمية لحسم الأمر وعدم تكرار المأساة؟
ثمّة لغط حول تلك القمّة الشامخة فوق كل قمم الشرق الأوسط، يبدأ بالاسم ولا ينتهي بالحدود والنزاعات على المشاعات، مع ما يخالطها ويتداخل معها من نسج طائفي محاك بخيوط السياسة وأصابع الفتنة الهادفة إلى وضع بصماتها في كل مكان وكلما سنح لها الزمان. بداية من الاسم، تُدعى تداولًا القرنة السوداء فيما هي قمّة بيضاء، وبات الجميع يعلم أن اللغط ناتج عن الخطأ في تحوير التسمية السريانية إلى العربية. فبالسريانية الكنسية، تُكتب “قرنو د سوهدي”، أما بلهجة جبل لبنان السريانية فتلفظ طقرنة سوهدي” أي قمة الشهداء. ويعود اسم المنطقة للشهداء الذين سقطوا في وجه الفتوحات المملوكية عندما تعرضت في العام 1281 كل من اهدن وبشرّي ووادي قاديشا لغزوات المماليك، وتمكن أهالي المنطقة حينها من مقاومة الغزو والانتصار في العام 1293.
أما في ما خص الخلاف على الأرض، فإذا كانت الحدود سببه فالجميع يعرف الحد لكن ثمّة من لا يقف عنده. وإذا كانت الموارد المائية والزراعية هي السبب فمعظم أراضي المنطقة تعلو فوق الـ2400 متر ما يجعلها محميات طبيعية، وهي مصنّفة كذلك، كما يقول لـ”المسيرة” النائب السابق إيلي كيروز، أي لا يحق لأحد الاعتداء عليها وتشويهها وتجيير مواردها في شكل غير قانوني. وإن كان للمسألة جانب خلافي على الحد والري واستصلاح الأراضي، إلا أن تكراره في أكثر من منطقة لبنانية من القرنة السوداء إلى مشاع العاقورة مرورًا بتنورين ووصولاً إلى غير مناطق، يؤكد أن هناك من يستثمر في هذه النزاعات القديمة لأهداف لم تعد جديدة. وهنا جوهر البحث!
بين الحدود والمياه
الخلاف العقاري على هذه المشاعات قديم جدًا، لا سيما بين بشري وبقاعصفرين أو بين العاقورة واليمونة. وفي ما خص القرنة السوداء يعود الخلاف الحديث لحوالى عقدين من الزمن. وكانت تتخلله اجتماعات لبلديتي بشري وبقاعصفرين ومشاركة لمندوبين طوبوغرافيين من الجيش الذي أبرز في مراحل سابقة خرائط للمنطقة. كذلك تشكّلت في وقت سابق لجنة قضائية عقارية من أجل مسح العقارات وتحديد حدود المشاعات بين البلدتين، ولكن الروتين الإداري من جهة وترهّل الدولة ومؤسساتها من جهة ثانية، أبقيا العملية برمّتها في الأدراج… فهل ثمّة من يريد رسم الحد بالدم؟
يقول الخبراء إن المسألة الأساس ليست مسألة حدود بل تقاسم المياه وطبعًا أسباب أخرى. فالأرض بمعظمها غير صالحة للزراعة، وعليه فواجب العاملين على حل المسألة أو سحب فتيل التفجير ممن قد يكونون مستفيدين من ذلك، يتم عبر توفير المياه وبكميات كافية للجميع، وهذا متوفِّر علميًّا ولا يستوجب الكثير من التكاليف المالية بل فقط اتخاذ القرار بذلك وتجنيب المنطقة هذا النزاع المتمادي. فالمخازن الجوفية اللبنانية تحتوي حسب تقرير الأمم المتحدة للتنمية UNDP “لبنان المياه الجوفية”، على 3 مليارات متر مكعب من المياه المتجددة سنويًا. وهذا يكفي لري المنطقة وسد حاجاتها المائية وتجنيبها الخلافات والقتل. واستنادًا إلى ذلك يتساءل الخبراء عن مبرر تشكيل لجنة وزارية لذلك؟ وما كان الهدف منه وما كان المرتجى؟
النزاع نفسه تقريبًا يتكرر بين العاقورة واليمونة حيث سقط قتلى في العام 2018. ومع أنه تم الاتفاق في عهد الرئيس الأسبق أميل لحود على تحديد “منطقة عزل” في خط الوسط، لكن عادت الأمور إلى التوتّر، وفيما يتمسّك أهل العاقورة بالأحكام القضائية المبرمة، التي حدّدت الإطار النهائي للمساحة، من خلال اللجنة التحكيميّة برئاسة القاضي عبدو أبو خير منذ العام 1936، يعتبر أهل اليمونة هذه الخرائط جائرة ومحوّرة زمن الفرنسيين. إنما اللافت أن الجيش ركّز نقطة فصل في المنطقة، اعتبرها الفريقان نقطة الحدود ووافقا عليها، ثم رفض أهل اليمّونة في ما بعد الاعتراف بهذا الاتفاق!
القوات تسأل وتأمل
يُجمِع المتابعون على أن قتل شابين في القرنة السوداء سبب كافٍ لإشعال فتنة، وأن تروّي أهل بشري سبب كافٍ آخر أدى إلى إطفائها وقطع الطريق على العابثين بأمن المنطقة بغض النظر عمّا إذا كان القتل عمدًا أم غير مقصود، وما إذا كانت الدوافع هي النزاع على المياه أم تدبير خبيث لجر المنطقة إلى الفوضى وللاستثمار فيها.
رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع قال في اللقاء الذي عُقد في بقاعكفرا في حضور البطريرك بشارة الراعي: «هيثم ومالك طوق استشهدا في منطقة هي أبعد ما تكون عن أماكن الرفاهية والراحة، وبالتالي يجب أن نتوقف مطولًا عند استشهادهما ونعتبر أنه أمانة في أعناقنا جميعا”. وتابع: “الخلاف على القرنة السوداء هو بين بلدتين عزيزتين هما بشري وبقاعصفرين، ومهما كانت الخلافات كبيرة من الممكن إيجاد الحلول لها، اللهم ألا ننسى أبدًا أننا بلدتان متجاورتان صديقتان، كنا ولا نزال كذلك، إلا أننا لكي نتمكن من الاستمرار على هذا المنوال من المهم جدًا أن يتم وضع النقاط على الحروف بشكل علمي لكي يصل كل صاحب حق إلى حقه”.
وسأل “إذا لم تتبيّن الأمور اليوم وبكل وضوح بعد كل ما حصل فمتى سيحصل ذلك؟ وبالتالي نحن جميعًا، كنواب بشري وأهلها وكحزب قوات لبنانية، وانطلاقًا من رغبتنا في أن يبقى أهالي بشري وبقاعصفرين إخوة يسيرون معًا في هذا التاريخ، نجد أنه من الضروري جدًّا أن تظهر أولًا الحقائق كما هي في ما يتعلق بالتحقيقات الجارية في جريمة القرنة، وهنا أتأسف جدًا لما سمعناه في الأيام الماضية من محاولات للتدخل في التحقيقات الجنائية. وثانيًا أن يستكمل التحقيق القائم منذ ثلاث سنوات لترسيم الحدود بين بشري وبقاعصفرين حتى النهاية وأن يُختتم كما يجب، وساعتئذ تقوم بلدتا بشري وبقاعصفرين بالإلتزام بالقرارات القضائية”.
واستهجن جعجع محاولة “رد القاضي المنوط به التحقيق في ملف ترسيم الحدود، لأن الفريق القضائي الناظر في هذه القضية يعمل منذ 3 سنوات. وبحسب ما سمعته تباعًا من قبل محامي بلدية بشري، فالملف أُنجز بنسبة كبيرة ومتبقٍّ 10 أو 15 في المئة من العمل، وبالتالي حرام في قضية دقيقة ومعقدة إلى هذا الحد ومن الممكن أن تؤدي إلى أحداث دامية، أن يتم توقيف العمل بغية رد القاضي (…)”.
القانون يدحض الادعاءات
النائب السابق إيلي كيروز المتابع للقضية أوضح مجموعةً من الوقائع والنقاط الملتبسة لدى البعض حول خلفية الخلاف والإشكاليات المتكررة نتيجة تقاعس الدولة بمراجعها الإدارية والقضائية والعسكرية عن تطبيق القانون وبت الملفات العالقة والمرتبطة بهذه القضية، وإحقاق الحق، “الأمر الذي يعطل كل مبرّر أو حجة لاستمرار التعديات واستغلال الواقع لافتعال الفتنة”.
ويوضح كيروز لـ”المسيرة” أن “جرّ مياه الثلاجات من القرنة السوداء الى بقاعصفرين يتم منذ التسعينات خلافاً للقوانين، كاشفًا في هذا السياق جملة وقائع قانونية منها قرار وزير البيئة رقم 1/187 الصادر في 17 تشرين الثاني 1998 الذي صنّف الموقع المعروف بجبل المكمل – القرنة السوداء من المواقع الطبيعية الخاضعة لحماية وزارة البيئة، ومنع أي أعمال من أي نوع كان على سطح الأرض أو في باطنها من دون موافقة مسبقة من الوزارة. كذلك قرار مجلس الوزراء رقم 2004/55 والذي كلّف بموجبه وزارة الطاقة والمياه إزالة التعديات على الأملاك العمومية في القرنة السوداء. وتقرير وزارة الطاقة والمياه في 2/9/2004 الذي أشار الى ما رافق التمديدات من دخول للجرّافات والآليات والأفراد الى مواقع الثلاجات وما رافقها وما نتج عنها من تلوّث سواء للثلاجات نفسها أو للمناطق المحيطة بسبب رمي النفايات وحفر الخنادق وبِرك تجميع المياه، مما ألحق ويُلحق الأضرار الجسيمة بالمنطقة ويهدد بوقوع كارثة بيئية”.
ويشير كيروز إلى “تقرير اللجنة المكلّفة من محافظ الشمال في 4/7/2007 بالكشف على المنطقة ومسح التعديات على الثلاجات، والذي أوصى بإزالة كل أنواع التمديدات وإعادة الحال إلى ما كانت عليه سابقاً”. ويلفت إلى “الإجتماع الذي عُقِد في السراي الحكومي في 19/ 7/ 2007 وخُصص للبحث في موضوع سحب المياه من الثلاجات المنتشرة في القرنة السوداء باتجاه بقاعصفرين، حيث تم الإتفاق مع رئيس بلدية بقاعصفرين عمر طالب على إزالة جميع التمديدات من مياه الثلاجات في القرنة السوداء قبل موسم 2008″.
وأكّد أن التعديات استمرت في المواسم اللاحقة لاجتماع السراي، حيث أقدم مسلحون من بقاعصفرين في العام 2009 على إطلاق النار في اتجاه دورية مشتركة من قوى الأمن الداخلي وشرطة بلدية بشري كانت تقوم بواجبها الاعتيادي في إطار التحرّي عن حصول تعديات على الأملاك والمياه العمومية في القرنة السوداء. وأن بلدية بشري تقدمت يومها بشكوى لدى النيابة العامة الاستئنافية في الشمال لملاحقة مطلقي النار والقبض عليهم وإحالتهم أمام القضاء المختص”. وشدّد على أنه “لم يعد مقبولًا أي تأخير في حل القضية وفقًا للقانون والحقوق الثابتة، ومنعاً للتداعيات والمحاذير المحتملة”.
… وماذا بعد؟
علاوة على مسألة رد القاضي، ثمّة من يرى أن الارتياب هو في التحقيقات بمقتل مالك وهيثم طوق وليس بترسيم الحدود. وتعليقًا على مجمل القضية يقول الباحث الدكتور عصام خليفة لـ”المسيرة” إن ما لديه من وثائق حول الحدود في القرنة السوداء يعود إلى فترة حكم السلطنة العثمانية، وأنه في زمن الانتداب الفرنسي تم وضع خرائط عدّلت الخرائط القديمة، مشدّدًا على “أن مسألة الحدود يمكن بتها، لكن الدولة لا تريد حل النزاعات بين المناطق بل إدارة هذه النزاعات”.
المسألة الأخرى الواجب الإشارة إليها نظرًا لما لها من دلالات هي تشكيل الحكومة لجنة وزارية، في حين لم تنجح أكثر من 10 لجان وزارية سابقة في الوصول إلى حل نهائي لهذه النزاعات سواء في بشري أو في العاقورة. وفي هذا الإطار يوضح المحامي بول حرب لـ”المسيرة” أن قرار تشكيل اللجنة الوزارية أناط بها مهمة درس النزاعات بين الحدود العقارية لبعض القرى المتجاورة/المتنازعة (المادة الأولى منه)، وصلاحية تحديد تلك الحدود العقارية وتوزيع المياه وكيفية الاستفادة منها في مناطق النزاع (المادة الثانية من القرار). فإذا كان لرئيس مجلس الوزراء صلاحية إنشاء لجنة للدرس، فإنه من الثابت أن إيلاءها صلاحية تحديد الحدود وتوزيع المياه والمنافع فيه تجاوز لحدّ سلطته، ما يجعل القرار باطلاً.
ويضيف أن “الأخطر هو أنه أعطاها سلطة توزيع المياه وكيفية الاستفادة منها في مناطق النزاع. وإن هكذا توزيع ينبئ بأن اللجنة سوف لن تعمد إلى تبني الحقوق والفصل على أساس المستندات المثبتة لها، وإنما ستعمد إلى توزيع المياه (وربما الحدود أيضاً) بين المناطق المتنازعة بإسقاط حقوق أصحاب الحق وإعطاء حقوق لغير أصحابها. واعتبر أنه “كان بالأحرى برئاسة مجلس الوزراء أن تقضي بتأليف لجنة قضائية تتمتع قراراتها بقوة القضية المحكوم بها عند بتها بالنزاعات”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
