
أيتها المتفاجئة بانتقال ساعي بريد السماء جبرائيل المرسل من لدن الرب وافداً من ناصرة الجلال الإلهي إلى ناصرة الجليل ناقلاً إلى بيتك المجلّل بنقاوة أمّك حنة ومهابة أبيك يواكيم رسالة تطلب يدك منهما إلى عريسك الروح القدس، فالمسكونة بأسرها تنتظر مولوداً عجيباً تحبل به عذراء لم تعرف رجلاً!
أيتها الناهضة للانتقال إلى الخدمة المزوّدة بنخوة المحبة، محبة القريب والبعيد، تنطلقين إلى قرية عين كارم في جبال يهوذا في أول زيارة مسكونيّة مداها بيت الكاهن زكريا حيث سيتلاقى جنين تحبل به عذراء وجنين تحبل به طاعنة في السّن تمهيداً للقائهما الثاني عند ضفاف نهر الأردن يوم المعمودية بالماء والروح والحياة.
أليصابات تزغرد وترحب وتهلل وتتنبّأ: “من أين لي أن تأتي إليّ أم ربي”، وانت تجيبين بحياء ووداعة: “القدير صنع بيّ العظائم وأسمه قدوس ورحمته من جيل إلى جيل”!
أيتها المنتظرة منذ تسعة أشهر انتقالين سيغيّران مسار البشرية بأسرها ويفكّ الإنسانية من أسرها: موعد انتقالك مع يوسفك إلى بيت لحم مدينة داود وموعد حلول الكلمة الذي سيصير جسداً!
أيتها المتلهّفة للانتقال إلى هيكل الرب تقدمين يسوعك إلى أبيه لتلتمع نجمة ميلاده بعيني سمعان الشيخ فيدرك أن زمن الخلاص قد حلّ على منتظريه فيغتبط باسمهم مبتهجاً خاشعاً مؤكّداً: “أطلق يا سيّد عبدك بسلام فإنّ عيناي قد رأتا خلاصك!
مريم البتولة الشرقية الصافية الانتماء لقدوس السماوات ولوالديها الطّاعنين في العمر والنقاوة قد تربّت على الصلاة المقطوفة لقلبها قطف زهر شهد العسل، وقد نمت بالبراءة وعشق برية جبال الجليل، وتدربت على شتل مشاتل الورود والحبق والزنبق وبخور مريم، تحوّل مصطبة بيتها إلى ملكوت ملائكته عيناها الملتمعتين بنجمة الصبح ونجمة المساء ونجمة البحر ونجمل الأمل، ومداخله غلافات كتب مزاميرها وتسابيحها!
هي أم الانتقال من أمومتها لابن الله إلى أمومتها لأبن الأنسان، امتهنت كل أعمال أمهاتنا، نقّت القمح، خمّرت الخمير، نخلت الطحين، عجنت العجين، هلّت الخبز المرقوق، أرسلت يسوعها الفتى ليحمل على ظهره أحمال حطب فرنها وتنورها وصاجها. أوقدت الموقدة تحت “دست” الغسيل، فركت ثياب يسوع وثيابها بالصابون البلدي ونشرته على سياجات الدار. نقبت تراب زرّيعة البيت، شتلة المشاتل، زرعت سقت وانتظرت موسم البركة والرزق الجديد، قطفت خضار الصيف وحضّرت قديد الشتاء، وسعت إلى مونة الزيت والزيتون والبرغل والكشك والقاورما والكبيس والربّ، عملت في قطاف الكروم وفراط شجر الزيت، نظّفت الخوابي وملأتها بما أكرم الرب الكريم من مواسم.
علّمت وحيدها أن يطيع أباه يوسف ويقف على خاطره كما يطيع أباه الذي في السماوات ويعمل بمشيئته.
غزلت الصوف، تفوّقت بصنارة حياكة ملابس عائلتها، أجادت بإبرة رتق ما تمزّق ورتي ما تفتّق، فكانت مريم مريمات وسيدة سيدات العائلات المستورة، ومن عمله في منشرة أبيه يوسف النجار أستوحى يسوع صلاة الكرامة وعرق الجبين: “أعطنا خبزنا كفاف يومنا وكرامتنا”، ومن حديقة أمه الحنونة استوحى لاحقاً مثل آية “الأزهار التي لم يلبس الملك سليمان كواحدة منها”. إن خبز الأم العذراء وأخشاب الوالد النجار كامل حكاية سيرة ومسيرة الخلاص والفداء من خشبة المزود إلى خشبة الصليب، وكامل أفخارستيا الخبز المتحوّل كلياً لجسد ابن الله!!
يا مريم لبنان، يا أم الانتقال والرحمة والمعونة من سيدة يانوح إلى سيدة إيليج إلى سيدة قنوبين، هاديةً شفيعةً لبطاركة صلبانهم رماحهم وأبطالهم وشهداؤهم وصولجانهم أرزهم وسنديانهم وصخرهم!
يا أم الانتقال، من سيدة حصن أهدن إلى سيدة عاصي حوقا إلى سيدة حْريصا تنورين إلى سيدة حبس العاقورة إلى سيدة بوابة جبيل إلى سيدة منطرة بلاد الزهراني إلى سيدة معبور جزين إلى سيدة الشوف ومشموشة. يا سيدة الزروع أنت الراسمة مسار عصاة لا يأكلون من خبز السلطان ولا يضربون بسيفه، لا يقسمون إلاّ برمح دانيال الحدشيتي وبدماء جبرائيل حجولا وهم يحوربون بأقدس تراتيل آبائهم وأجدادهم: “أنت ملجانا وعليك رجانا”، بهذا الملجأ وبهذا الرجاء ينقلون الجبال ويكسرون قوانين المستحيلات ويواجهون أنظمة المًستبدين فيحققون صموداً ويثبّتون بقاءً بعزيمة دحرجة أحجار القبور والانتصار على حراس الموت!!
يا سلطانة الانتقال، في ظلّ حمايتك لن ينتقل لبنانك ولبناننا خارجاً عن حدوده الأزلية وبعيداً من وجوده الأزلي!
يا سلطانة الشهداء، هم الوقوف معك عند أقدام صليب لبنان والشرق يلوّحون لمريمات سبت النور العظيم. هم الترتيلة المرفوعة وساماً على جبين أم كل شهيد: “فليكن موت أبنك حياةً لطالبيها”!