#dfp #adsense

سعيد بيتموني: بس شالو الكاميرا عن كتافي متت!…

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1743

مسيرة حفرها بالدم والدموع ولم يتراجع

سعيد بيتموني: بس شالو الكاميرا عن كتافي متت!…

يقول زملاؤه “سعيد كان بيروت وبيروت هي سعيد”. كانت الحرب شرسة، وكانت بيروت غربية وشرقية، وكانت حرب تحرير صعبة، ومن بعدها حرب إلغاء ضروس عبثية التهمت أخضر الشباب، وحوّلت المنطقة الحرة الى يباس، وكانت محطة “إل. بي. سي” المقاومة المشرقة بشاشتها وقضيتها وإعلامييها المقاومين، وكان فيها ما فيها من أفضل البرامج وأفضل المحررين والمراسلين والمصوّرين والمبدعين، وعلى رأسهم سعيد بيتموني.

عندما تقدّم بطلب الوظيفة عام 1985، قال له رئيس مجلس إدارة المحطة بيار الضاهر “إنت مجنون؟!” كونه ينتمي الى الطائفة الإسلامية ويعيش في ما كان يُعرف بالمنطقة الغربية. لكن بيتموني أصرَّ قائلا: طعرفت إنو بدكن مندوبين بـ بيروت بتاخدني؟” فسأله “ألست خائفًا؟” ولم يتردد في الإجابة “عندي قناعة إنو يللي حطّ هالروح هو يللي بيشيلها”، وصار المصوّر سعيد بيتموني هو مفتاح بيروت الأخرى بلغة الحرب، أمام المصوّرين والمراسلين، وبيروت صارت هي سعيد!

منذ دخوله المؤسسة، صار عرضة للخطر المباشر، وما اكترث، كانت قناعته بعمله الصحافي تفوق أي حاجز تشكيك أو عوائق الانتماء الى مكان أو حزب أو طائفة “38 سنة من عمري أمضيتها في “إل. بي. سي”، دخلتها في عمر الـ26 وخرجت منها في الـ64، تعبت كثيرًا وناضلت وخاطرت كثيرًا وخُطفت 29 مرة، وأُصبت ست مرات بالحروب، لكن كنت سعيدًا ومقتنعًا بما أفعله”، يقول بيتموني الذي أحيل الى التقاعد.

كاميرته الرشيقة الساحرة عبرت في الأحداث كلها، ودوّنت ورصدت واصطادت الكثير من “السكوبات” واللقطات والسبق الصحفي الذي لم يكن ليحصل إلا بفضل إعلام تلك المؤسسة المقاومة حينذاك، كانت كاميرا بيتموني مرسال الإعلامي المناضل أحياناً عند خطوط تماس المناطق. “لم أخف من شيء ولا من أحد، كانت كاميرتي هي سلاحي ومهنتي هي فرحي” يقول.

كان شاهدًا بكاميرته على قساوة ما سُمّي حرب الإلغاء، ولا ينسى زميله بيار شباط الذي استشهد عند نفق نهر الكلب “كنت معو قبل بنحو ساعة، تركته وذهبت الى بيروت وكان صرلي فترة ما التقينا بسبب الأحداث، فاتصلت به لأطمئن إليه، فجاوبني ربنا كاتبلي عمر. وإذ بعد الظهر يصلني خبر استشهاده، حزنت كثيرًا، كان أخًا وصديقًا وعزيزًا جدًا على قلبي. هذه واحدة من أحداث كثيرة عشناها في المؤسسة، ولم نتوقف عند أي حادثة أو مشكلة، كنا مصممين على الاستمرارية مهما كانت الظروف قاسية وصعبة” يقول.

ليس بالضرورة أن تحمل السلاح لتحمل صفة مقاوم، كان للنضال أوجه كثيرة، أوجه مدنية تحمل سلاح القلم والكاميرا، وتقف عند متاريس الموقف الحر النبيل، والصورة التي تفضح الكثير وتجعل الناس وجهًا لوجه أمام الحقيقة مهما كانت صعبة، هذه كانت كاميرا سعيد بيتموني. “كل يوم كان أصعب من يوم، لأن روحنا ع أكتافنا، وتعرّضنا لمخاطر وتهديدات كثيرة، لما تعرّضت للخطف لعدة مرات كنت انوجع وخاف على أهلي أكتر من خوفي على حالي، وغير ذلك ما كان يهمني أي شيء، وبيار الضاهر دعمني كثيرًا خصوصا أنه أطلق المؤسسة في حقل ألغام، وبالنسبة إليّ كان الضاهر بمثابة أخي ومرشدي وأعطاني الفرص الكاملة للنجاح والبقاء في القمة”.

على رغم الصراع السياسي الذي كان يتخذ أحياناً طابعاً طائفياً في البلد، ما كان أحد من زملاء سعيد ينتبه الى أنه من الطائفة المسلمة، كان المصوّر الشجاع، المشهود له بالخبرة وبالوفاء المطلق للمحطة، صديق الكل ومرشدهم “صرت أعرف بيروت بسبب سعيد” قال عنه أحد زملائه في حفل تكريمه. “23 آب 1985 وقت فتحت الـ بي سي، كانت حدودنا من المتحف الى البربارة، فجاء سعيد ليخترق خطوط “العدو” بمفهوم تلك الأيام، وليتجاوزها، إذ إنه لم يكن مجرّد مصوّر، بل الوحيد القادر أن يعمل من خارج تلك الحدود، وأن يُدخلنا الى أمكنة كانت تعتبر محظورة علينا” قال عنه جان فغالي.

أليس التكريم نوعًا من الإقالة القسرية؟ أيستقيل قلم صحافي أو كاتب في عمر ما حدده البشر ولم يحدده إبداع هؤلاء نفسه؟ هل التكريم وداع لإبداع أو دفن مبكّر لمبدعين؟ ومن حدد أصلاً زمن ما يُسمّى بالتقاعد؟ أليست حفلات التكريم تلك أشبه بدفن أصحابها وهم بعد أحياء؟

“الـ بي سي بيتي وداري وأهلي وإمي، ومن كم يوم كرّموني بحفل صغير لطيف، قبل ذهابي الى البيت قلت لهم صراحة كان حلمي موت وأنا حامل الكاميرا بس وقت طلعت على التقاعد متت لأن شلتا عن كتفي”! كلام حزين قاسي، ونكرر السؤال هل يُحال إعلامي الى التقاعد، أم التقاعد ذاك هو دفن الإعلامي كما قال سعيد بيتموني الذي بسطر واحد اختصر كل المعاني؟

“وصلت الى ما وصلت إليه بالمثابرة والإيمان، لا أحب أن أحكي عن نفسي، لكن الكل يعرفني، بدأت مسيرتي بقناعة مطلقة وما زلت عند تلك القناعة، بكل تواضع مسكت بيروت والبقاع الشمالي وغيرهما من المناطق، ولم نغب يومًا عن أي حدث، وحفرت مسيرتي المهنية بالدم والعرق والدموع والخطر ولم أتراجع، وأنا فخور بما فعلت وإذا دارت بي الأيام لن أختار إلا تلك المهنة وفي ذاك المكان والمحطة بالذات”، يقول بيتموني الذي كان يتمنى ألا يخضع لقانون التقاعد ذاك، فهل هو حزين؟

كانت إل. بي. سي. فرحي تملأ كل وقتي وحياتي. زعلان؟ إي زعلان شوي، وكنت أتمنى أن أنزع الكاميرا عن أكتافي وأرحل ساعة أريد وليس بسبب العمر، لكن هذا الواقع والقانون. ولكن من ناحية ثانية، أعتقد أنه حان وقت الفراق مع الـ بي سي، علما أن روحي معهم وقناعاتي لا تتغيّر والمطرح دائمًا متاح لأجيال جديدة، هذه دورة الحياة الطبيعية وصار لازم للمحطة وجوه وخبرات جديدة تواكب العصر، شلناها على كتافنا بالدم والعرق والفرح والحزن وكنا سلسلة مترابطة ببعضها البعض، لكن يجب أن تتجدد تلك السلسلة ويستمر إسم “إل. بي سي” يقول بفرح مشوب بحزنه على فراق زملاء صاروا بالنسبة إليه العيلة الثانية.

بيتموني، بتفكّر تدرّس بمعهد أو جامعة؟ يضحك من قلبه “لاه لاه أنا غير ما بتتوقعي، أنا بستحي كتير إني أوقف أمام طلاب وأعطيهم دروسًا، علمًا أن زملاء كثر من تلفزيونات متعددة كنت أعطيهم دروسًا وصاروا من أهم المصوّرين الآن”.

في الكاميرا عين من يرصد، وفي الواجهة مصوّرون حفروا بكاميراتهم، مسيرة لا تقل بطولة عن سيرة الأبطال عند متاريس الشرف، كاميرا سعيد بيتموني كانت تلك المناضلة الرشيقة الشجاعة، زاحت عين سعيد عنها، ولكن بقيت صورته عالقة لامعة على حفافي عدسة أيام النضال المشرِف لأجل الحقيقة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل