.jpg)
.jpg)




كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1743
ذاتَ مَسويَّةٍ عائليّةٍ قرويّةٍ من مَسويّات البيوت البقاعكفرية المرصوفةِ بخمير طين الأرض وطيبةِ ملامح أهل تلكَ الضيعةِ الأقرب إرتفاعًا وحدودًا إلى مشاعات الغيمِ السماوي، إهتزَّت مفاصلُ باب بيت المكاري البقاعكفري أنطون زعرور مخلوف مِن رَجِّ خبطِ بندقيّةٍ أميريَّةٍ إبراهميَّةٍ لأحد أجلافِ فرقةٍ عسكريَّةٍ من عساكر إبراهيم باشا المصري قد داهمت ليلاً الضيعةَ اللبنانية الأعلى لأجلِ أن تتعقَّبَ فيها كلَّ من أقتنى بغلاً أو دابةً أو حمارًا يمثِّلون على تلك الدروب والقادومياتِ وسائل نقلِها العام.
تلكَ الليلةِ المأموريَّةِ الإستبداديَّةِ كان مطلوبًا من كل صاحبِ مركوبٍ أن يتجنَّدَ تجنُّدًا قهَّاراً لسُخرةٍ إجباريَّةٍ عُرِفت بسخرة القمحِ، قمحٌ مُعتقَلٌ أسيرٌ داخل أعدالٍ تُحمَّلُ من مخازن أشلة بيت الدين إلى مستودعِ مجدليا في زاوية لبنان الشمالية لأجل رهنِها خبزًا وبرغلاً يملآن بطون إنكشاريّة محتلٍ مستبدٍ غريبٍ مُتخمٍ بغلالِ زرع وحصاد أهل البلاد، فلا يبقى من خبز البنين إلاَّ ما فَضُلَ عن أنياب ضباعِ وذئاب وثعالب الإحتلال!
بريجتا الشدياقة البشراوية أم العائلة المستورة عبثًا رجت وترجَّت الأونباشي المُتفرعِن وأفهمَته أن أنطون العائلة هو بعد الرب سند البيت الأول والأخير، كما لم تفلح لوعةُ وجوه الأبناء الخمسة حنا وبشارة وكونة وورد في تليين قلوب زوار الليل وهزِّ جمادِ ضمائرهم، وكم حاول طفلُ الثلاث سنوات يوسف إخوتِه وأصغرُهم أن يتمسَّكَ بلفَّةِ شروالِ أبيه ويمنع الغاصبين مِن سلخِه عنهم، لكنها سُخرةُ الحنطةِ المُسخَّرةِ لسخريةِ قضاءٍ وقدَرٍ حكما على أبٍ حنونٍ أَن يُسحبَ سحبًا من سَكبِ دموع أطفاله المتلوِّعين على افتراقٍ قسريٍّ سينتهيَ بموتٍ على قارعةِ دروب السخرة والغربة والفرقَةِ واليُتمِ!!
يا يوسف عيالنا اللبنانية
كان لكَ من عمركَ الطفوليِّ الحزين ثلاثةُ أقمارٍ من سنين البراءةِ، يوم قطفتِ اليدُ العلويَّةُ وجه أنطونِكَ من إنتظارِ عينكَ لطلَّتِه واشتياق قلبكَ للجلوس في أمان حضنه، بعد أن تحوَّل وجهُه إلى حكايةِ يُتمٍ وطنيَّة شاملةٍ يعيشها اليوم لبنانكَ كيانًا ودولةً وشعبًا. أباكَ اليوم يا يوسف بن أنطون هو لبنان المسلوخُ عن بنيه المطلوبُ إلى سُخرةِ عشراتٍ من أشباه مُحتلِّه إبراهيم باشا المصري يسيرُ وحيدًا مُتعثِّرَ الإعراب والأغراب بين مُبتدأ الضحية وخبرِ التضحية.
لبنانك اليوم أنتَ الأدرى بجميع أنواع وأشكال يُتمِه يا يوسف اليتيم، وأنتَ الأعلم أكثر من الجميع بأحوال وأحزان هذا الميتم المبنيِّ على مساحة 10452 كلم2 يعيشُ فيه أيتام الحريةِ والسيادةِ والكرامةِ، كما أيتام الخبزِ والدواء والمسكنِ والمأكلِ والمَلبسِ، كما أيتام المعامل والمصانع ضحايا البطالة وأرباب الأباطيل الأخلاقيةِ. وكما أنَّ ميتم الـ10452 كلم2 يعيشُ منذ عديد السنوات حالات تيتُّمه من المرجعيات الإقليمية والدولية التي تكاد تقطع عن هذا اليتيم اللبناني مجاريَ أنفاسِه حتى اختناقِه بشهيقٍ وزفيرٍ وشهقاتٍ وزفراتٍ وحسرات.
كما أن ميتم الـ10452 يجتاز مراحل يتمهِ وتيتُّمه من مرجعيات وطنيَّةٍ بينها نخبةٌ أعطته العقل والقلب والدم والروح والعمرِ، فنبذها وهجاها طوال سنوات فقدانِه الوعي وإغمائه الأخلاقي، وانصرف مُلتحقًا متزلِّمًا لنيرونييه حارقيه وحاريقي أمسه ويومه وغده !!
يوسف إبن أنطون زعرور مخلوف
لكَ مِن أوزان ووزنات شفاعةٍ شربليَّةٍ ما يُمكِّنُكَ من إعادة الروح لوالدك مكاري بقاعكفرا العتيق، ليستفيق بو حنا وينهضَ من تراب غرفين الجبيلية بعد 192 عامًا من نومتِه في فراشِه يوم استضاف جسده المُنهكَ العليل من مشقّات دروب السخرة المُذلَّةِ بين بيت الدين وشمال لبنان. لأجل خاطر شعبَك الطيب يا ابن أهلك الطيِّبين كلَّف أباك بو حنا أن يبحث مِن حيث هو عن جميع المُتورطين بتهريب خبزنا ودوائنا وقوتنا اليومي وحاجياتنا الضرورية إلى ما وراء وراء الحدود والجيوب.. والدكَ المكاري يا إبن الأعالي خبيرٌ بإنكشارية السخرة ضليعٌ عالمٌ بجميع أسماء مُشغِّليهم، وهو الأخبر بكل إبراهيم باشا يديرُ مستشفى.. بكل إبراهيم باشا يُدير مصرفًا.. بكل إبراهيم باشا يدير متجرًا.. بكل إبراهيم باشا يُديرُ صيدليَّةً.. بكل إبراهيم باشا يُديرُ جامعةً وكليَّةً ومدرسةً.. بكل إبراهيم باشا يُديرُ فرنًا.. بكل إبراهيم باشا يُديرُ إدارةً حكوميّةً.. بكل إبراهيم باشا يُديرُ دولةً.. وبكل إبراهيم باشا يُديرُ ما هو لقيصر ويُديرُ وجهه ورأسه عن كلِّ ما هو لله!!
يا راهب السراج والمكيال
ذات فجرٍ بقاعكفريٍّ من صباحات عام 1851 نهضتَ من نومتِكَ الأخيرة في بيتكَ الوالدي، فطويتَ فراشِكَ طويةَ مُلبِّي دعوةٍ لن تعود منها مرَّةً واحدةً إلى بيتٍ والديٍّ أقرب وداعةً وفقرًا وتجرُّدًا إلى مغارة بيت لحم النجمة والولادة في ضيافة الرعيان والماشية مثل التي رعيتها يا راعي الجُّردِ. لم يطاوعكَ قلبُك أن تشعل فتيل سراج الليل كي تمرِّر ضوءه على وجوه إخوتِك حنا وبشارة وكونة ووردة تمسح عينيك بعيونهم الغافية قبل أن تهجرهم خلسةً من دون كلمة وداع!
كطيف عبير الزهر البريّ مررت بين حارات بقاعكفرا ونجمة الصبح تبرق فوق بقايا عتمات الفجر وأنتِ ترتّلُ ترتيلتك الأشهى: “يا نجمة الصبحِ البهيّة يا سيدة الإنتصار”. عبرتَ قرى جبة وادي القديسين إلى بلاد البترون العليا، إلى أن دخلت بوابة إيليج البطريركية والأيقونة وسلطانة الشهداء، ومنها وصلت فقرعت باب دير سيدة ميفوق على سماع صوتِ ملاك الرب يُطمئنكَ: لا تخف يا يوسف أن تأخذَ هذه الديار مسكنًا أبديًا فأنا فيه حصن حياتِك الجديدة!
من بقاكفرا دار العائلة والأهل والصبا والشباب إلى ميفوق الإبتداء، إلى عنايا النذور الأولى، إلى دير صفوف لاهوت الملفان قديس كفيفان في سنواتٍ تدريسيّةٍ لاهوتيّةٍ حردينيّةٍ تكلّلت بسيامةٍ كهنوتيَّةٍ، عدتَ بعدها إلى دير مار مارون عنايا راهبًا ديريًا منتقلاً بالإسم والفعل من يوسف إلى شربل متيمنًا مستشفعًا بشربليوس الرهاوي الشهيد، فعشت حياة الجماعة الديرية ستة عشر سنة إلى أن أصعدكَ سراجُك العجائبيُّ المُضاء بالماء في مصاعد محبسة مار بطرس وبولس فوق جبل التجلّي الجديد.
ثلاثةٌ وعشرون سنة حبيسًا شابهت نسكيات آباء البريّة الكبار، كان همُّه الأعظم والأسمى أن يحيا حياة الإمِّحاء البشري الكامل، ولم يُخطِّط لأيِّ نوعٍ من أنواع الشهرة، ولم يكُن من أهدافِه إلاَّ إخفاء إسمه كليًا إلاَّ من ذاكرة ربِّ الكرم والحقلِ، حتى وصوله إلى رتبةٍ من الضِّعةِ الذاتية لم يتوانَ ويتردد فيها من أن يحملَ جميع أدوات أعمال حقول الدير وكرومه، ووصل الأمر بعض ضعفاء النفوس من إخوتِه رهبان الدير لأن يتندّرون عليه ويصفونه “بحمار الدير”!
عمرٌ رهبانيٌّ شربليٌّ غريب الأطوار عن فهم عقول أبناء هذا الدهر تجرَّدَ من جميع حقوق عاطفته الشخصية تختصر جوهره إجابتُه لأهل ضيعته الذين أتوا يتباركون ويغتبطون بحضور سيامته الكهنوتية متمنين عليه أن يحتفل بذبيحة قداسه الأول على مذبح كنيسة سيدة بقاعكفرا، كنيسةُ أسرار معموديته وتثبيته ومناولته الأولى، لكنَّ يوسفهم وشربلهم صدمهم في جوابٍ لم يتوقَّعونَه: “الراهب اللي بيترك ديرو وبيرجع ع ضيعتو ملزوم يرجع يترهَّب من جديد”!
رجل رجال بوادي الصعيد المصري وقفاره الأنبا أنطونيوس الهاجر غناه وجميع غنائم الدنيا كان المغتبط الأول بجوابك يا شربل، وكان القلِق الأكبر وما يزال من جوابك يا شربل، وقد حمّله جوابكَ مسؤوليَّةً دائمةً في البحث عن أدياره التي خَرجَت عن طوعِ حصونِه وحصونها، وابتعدت كثيرًا عن مرمى رنين جرستِه المُنبِّهة من غدر النعاس الروحي، فسلكَ بعضٌ من أبنائه مسالك الغربةِ الخطيرة عن محارس الأساكيم الملائكية بحججِ التعليم والتبشير، حتى تورَّط بعضهم بإدارة دارٍ للجباية هجرها متى الجابي مُلتحقًا بيسوع.. واحتل بعضهم مكتب أموال العشور الذي خرج منه زكّا العشار تائبًا.. ووصل بعضهم إلى مفارق رهبانيَّةٍ تصلح أن تكون كمائنَ مُحكَمةً يكمن فيها المُجرِّب الرجيم يصطادُ جميع أصحاب الرُّكَبِ الواهيةِ ويدفع بهم إلى ويلات الذين تأتي على يدهم الشكوك!!
شربل المواعيد السماوية
إنَّ أقدس وأسمى إكليلٍ يُكلِّل جبينَك بأزهار براري بقاعكفرا التي في جرد الأرز وجرد الملكوت، هو إكليل شوكٍ سيبقى تاجًا لرأسك مدى الدهور، إكليلٌ محبوكٌ من تلك الأشواك التي جرَّحت ولذعت أقدام أمك بريجيتا طوال وعورة طريق سيرها ثلاثة نهارات وثلاث ليالٍ من بقاعكفرا الى عنايا ممتلئةً من أشواق ضمِّك إلى قلبها، ومن خلف بابكَ المغلَق بوجهها المغسول بالدّمع اللهاب لم يكن عندكَ للحنونة المقهورة إلا وعدك لها: “بكرا يمّي منتلاقى بالسّما”!!
يا شربل المسكوني
أنتَ الذي لم تغادر سياج محبستك إلا تلبيةً لطاعة تطلب زيارة مريض ومشحة مُنازع. أنت الذي لم تُرِد من هذه الدنيا إلاَّ أن تعيش نسيًا منسيًا، فكان للرب قدوس القديسين رأيٌ آخر يناقض رأيك، فأعلنك أشهر قديسٍ في السماء والأرض، وفتح بيديه سياج كرم محبستك للتدفقِ إليه ولتغرف منه شعوب المسكونة تستغيث بقوة شفاعتِك وقداستك بذات إستغاثات الأبرص والمنزوفة ومخلع كفرناحوم وأعمى أريحا، وجميع الذين فشلت نوابغ عقول الطبِّ في شفائهم، فهجّوا إليك أنتَ الراهب الذي لم تُتقِن إلاَّ الإقتيات ببقايا كسرات الخبز اليابس المحروق ولبسِ مسوح الشَّعرِ والركوع على شِفار أطباق القصب، فنلتَ شهادتك التطبيبية من فم المعلم يسوع: “باسمي يا شربل إشفِ المرضى، أنهض الكسحان، فتِّح العميان، أقم الموتى، فأخطر الموت هو موت الإيمان والرجاء والأمل والروح. وأنتَ يا شربل الواقع ثلاث مراتٍ تحت شَيلةِ القربان ما كنت ولن تكون إلاّ ناذر الطاعة والعفة والفقر وناذر القيامة”!!!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]