
كتب أنطوان نجم في”المسيرة” – العدد 1743
كان بشير الجميّل يستعجل انبعاث الدولة. فعندما انتخب رئيساً للبلاد، كانت جعبته ملأى بالمشاريع الجاهزة للتنفيذ على كلّ المستويات، وقد أعدّتها المؤسّسات التي أنشأ ورعى. وكانت الأيام التي تفصل بشير عن تسلّم سدّة الحكم قليلة. غير أنّه لم يستمهل الزمن، بل توجّه الى الأمة ليعدّها لفترة تجسيد الأحلام، وتحويلها إلى حقائق. أوليس هو القائل: “عادةً أحلامي تتحقّق”؟
كان بشير مؤمناً بأهميّة العمل الجماعيّ، وبضرورة تضامن الطاقات كلّها لتسريع عمليّة الإنقاذ، ولمّ شمل الوطن الممزّق. كما كان يدرك أن لا بدّ من حشد الإرادات الصادقة كلّها، وشحذ الهمم لبلوغ شاطئ الأمان في أقصر وقت ممكن.
كان يعي ما يدور حوله. وكان يعي بصورة خاصة فاعليّة العمل المؤسّسيّ في تكريس دعائم النضال الذي خاض، وبلوغ الهدف الذي رسم، وتوطيد الخطى التي مشى، وتنمية مناخات الحرّيّة والديموقراطيّة والسلام التي تعهّد، وتحويل الأفكار إلى إنجازات. من هنا كانت أولى خطواته اختيار معاونين له من أهل العلم والمعرفة، والانتماء الحضاريّ الأصيل، والفكر المنفتح، والتطلّعات الخلّاقة في الميادين كافّة.
وترك باب التعاون مفتوحاً أمام ذوي الطاقات والمواهب. والذين لم يأتوا إليه بادر هو بالذهاب إليهم. حاورهم وحثّهم أن يفيدوا لبنان والقضيّة بالإمكانات المتوافرة لديهم. والأهم من ذلك كلّه أنّه وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. فلكلّ منهم حقل اختصاص، وميدان عمل. واتّحدوا جميعهم في بوتقة العمل الجدّيّ المثمر، وفي أجواء كاملة من التناغم فكراً وعملاً. كان يعمل على تحرير الزمن من حركيّته الروتينيّة والحتميّة التي تفرضها دورته، وعلى تسريع عجلة الزمن بحيث تتخطّى مسيرتها، وتحقّق قفزات تتيح لأحلامه الكبيرة أن تأخذ حيّزاً لها في الواقع. لقد أدرك أنّ أعداء لبنان يماشون لعبة الزمن في رتابتها المعهودة، ويراهنون على نجاحها وقطف ثمارها. كما أدرك أنّ الزمن لا يعمل لصالح القضيّة اللبنانيّة في ظلّ الأجواء المحمومة التي أحاطت بها. من هنا كانت مغامرته مع تسريع الزمن. ففي سنوات قليلة جدًّا استطاع أن يبني ما عجز سواه أن يبنيه في عقود.
لقد وعى بشير الجميّل أهميّة وحدة الصف، وتوطيد الأمن، وبناء المؤسّسات، التي تمدّ المقاومة بكل أسباب الحياة والفعّاليّة، فبادر إلى ذلك، وسارع في الوقت نفسه إلى الانفتاح على العالم، خاصّة العالم الحرّ، ليخلّص لبنان من الطوق الذي كاد يخنقه. فللذين حاولوا أن يسرقوا حلم لبنان تصدّى، بعدما أداروا ظهورهم لدعوته إلى الحوار والتفاهم ضمن مفهوم السيادة اللبنانيّة، ومارسوا شتّى أنواع الهيمنة والضغط. وصعّد المقاومة في وجههم ليحبط أيّ انتصار ممكن لهم، وليحول دون ترسيخ قواعدهم، وتجذير شرّهم ودويلاتهم المزيّفة فوق أرض لبنان.
كان على يقين أنّهم راغبون في جعل لبنان مقرًّا لهم، لا ممرًّا كما ادّعوا. فاستعجل تحرير لبنان. وفي هذا السبيل راح يدحض الادعاءات بالبيّنات، ويردّ على الممارسات المتنوّعة بالنضال المتأجّج، والإيمان الراسخ، والعنفوان الصارخ. ولم يدع فرصة لإثبات حقّ لبنان إلّا اغتنمها لتدعيم هذا الحقّ.
حمل بشير الجميّل المعاناة في قلبه طويلاً عندما كانت الآذان مغلقة والأفواه مكمومة. لكنّه لم ينتظر اكتمال دورة الزمن ليفيق العالم بعد فوات الأوان على هول الكارثة التي أصابت لبنان. بل بادر إلى هزّ ضمير العالم الحرّ، وفتَح عينيه على حجم المأساة التي تستعر لا لتلتهم لبنان فحسب، قلعة العالم الحرّ في الشرق، بل لتمتدّ فتحرق بأتّونها العالم الحرّ كلّه. فماذا يبقى من هذا العالم عندما تتهاوى قِيَمُه، وتتهدّم مؤسّساته، وتزول الحرّيّات فيه، وتذوب ديمقراطيّته تحت وطأة المدّ التوتاليتاريّ؟ وهل كانت استراتيجيّة هذا العالَم أن تسقط إحدى قلاعه اعتقاداً منه أنّه بذلك يدرئ الأخطار الزاحفة إليه من كلّ حدب وصوب؟
إذا كانت هذه هي استراتيجيّته، فلا شكّ في أنّ بشير الجميّل الجميّل استطاع أن يعدّلها، أو على الأقل، أن يسرّع عمليّة تعديلها حفاظًا على ديمومة العالم الحرّ. وإذا كان إغضاء العالم الحرّ عن مأساة لبنان وقضيّته نتيجة للتضليل الإعلاميّ، فقد انبرى ليضع الحقائق في نصابها، وليؤكّد على وحدة الأهداف عند شعوب العالم الحرّ ووحدة مصيرهم.
في أيّ حال، لقد أحدث بشير انقلاباً سريعاً في موقف هذا العالم، وجعل الحلول تنضج قبل أن يستفيق المعتدون من الصدمة التي أثارها هذا التحوّل لصالح القضيّة اللبنانيّة.
المحطّة الرئيسة في حلمه تحقّقت في صحوة الزمن ودورته الاستثنائية التي شاءها له. غير أنّ القدر لم يمهله ليرى إنجازات حلمه. العظماء يحلمون عادةً، وتتحقّق أحلامهم. إلّا أنّهم لا يشهدون دائمًا معظمها مجسّدًا في الواقع. إنّهم يبنون، وينيرون السبل لمن بعدهم. ثمّ يسكنون في الوجدان حلمًا وأسطورة.
ونتساءل: هل سرّع بشير الجميّل الزمن بغية أن ينجز أحلامه لأنّ إحساسًا مستمرًّا بالموت كان يساوره؟
سُئل: هل تفكّر بالموت؟
قال: لا.
وهاجس الموت؟
أجاب: ربّما أتاحت لنا الحرب التغلّب على هذه الفكرة.
ألا تخشى الموت؟
فقال: بلى. فأنا لست فوق البشر.
24 تشرين الأول 1982
حديث الى “لبنان الحر”
الكلمة موقف، أيًا يكن موقِعُها ووَقعُها. في الفكر، في السياسة، في الدين، في الثقافة، في المجتمع، في الاقتصاد، في البيئة…
وحتى تصبح هذه “الكلمة” عابِرة في الزمان والمكان، تفتح مجلة “المسيرة” صفحتها “آخر الكلام” لكتَّاب وسياسيين ورجال دين وفكر وفلسفة واقتصاد، ليسطِّروا عليها كلمة… وموقف.
“المسيرة”
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]