
لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، يستذكر موقع “القوات اللبنانية” حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية، كتحية وفاء لمن توج نضاله بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.
نظري ثاقب كنظر الصقر. عنيد كصخور جبل المكمل. إيماني كإيمان راهب جلس في محبسته يتأمل وصول ربه إليه. حبي لوطني وعشقي له يسبق حب العطر والحبق لإطلالة الصباح. تربيت وترعرعت في منزل أهل عشقوا الكنيسة، والصلاة، والوطن.
الشرف ولبنان وسيدة بشوات، أقانيم مقدسة، والدفاع عن هذا المثلث واجب أخلاقي ووطني وديني. هذا ما كان يردّده والدي دائماً.
كنت أرى الكون بحجم طابة كرة القدم، التي كنت أتقاذفها ورفاقي في ملعب المدرسة الصغير. أسعد الأوقات عندي، عندما كنت أجلس مع رفاقي أمام دكان العم ملحم رحمة لنرى الناطور يوسف قادماً ليشتري علبة سردين أو علبة دخان، كنا نستغل فرصة غيابه لنسرع الى الحقول ونتعمشق بأغصان الكرز ونأكل. كنت أختار الحبة التي نقدها العصفور، طعمها كان أطيب وأحلى، وعندما كنت أمر أمام كنيسة مار سركيس وباخوس، كنت أسمع همسات ووشوشات محببة قادمة من الداخل، كانت تغمرني بالفرح والسعادة. هذه الهمسات رافقتني إلى بيروت عندما كبرت، فرحلتي من عيناتا – الأرز إلى بيروت كانت للالتحاق بتنظيم حركة الشبيبة اللبنانية مع الباش مارون.
أحببتُ رفاقي وهم أيضاً أحبوني كثيراً، وجعلوا مني قائداً لفرقة تضم عشرات الشباب. كانت الحرب تشتدّ، ونحن نزداد عناداً وتصميماً في الدفاع عن وطننا الذي لا بديل لنا عنه.
كانت جبهة السلاف حيث أنا ساخنة ومتحركة ولا ثبات لأي متراس…
نتقدم ثم نتراجع حسب القوى التي كانت تقوم بالهجمات علينا.
أكثر ما كان يزعجنا، محاولات التسلل الكثيرة والقوية التي كان يقوم بها شباب المنظمات الفلسطينية لأحد المراكز العسكرية التابعة لنا في السلاف، وهذا المركز كان في نقطة استراتيجية مهمة. قلت لرفاقي: “اليوم سندعهم يدخلون وأنتم ستنسحبون، والباقي عليّ”. حملت كمية كبيرة من المتفجرات ووضعتها في أمكنة تسبب الضرر الكبير للبناء.
عبثاً حاول رفاقي منعي من القيام بهذه المهمة القتالية، فكنت أقول لهم: “إن صوت المسيح والسيدة العذراء ينادونني من كنيسة مار سركيس وباخوس، عندما أعطيكم الإشارة تبدأون بالانسحاب، وهكذا كان. انسحب رفاقي، وبقيت أنا والمتفجرات، ودخل علي الفلسطينيون”.
في صباح اليوم التالي، كان هناك تلة كبيرة من الركام، جُبلت بأجساد أعداء الوطن وبينهم جسد بطل رفع يديه إلى السماء وهو يقول: “لبيك يا لبنان”…
(مهداة إلى البطل يقظان رحمة 10/8/1976)