.jpg)
لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، يستذكر موقع “القوات اللبنانية” حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية، كتحية وفاء لمن توج نضاله بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.
كان همي الكبير في الحياة بناء عائلة تقية تسير على تعاليم المسيح والكنيسة.
كنت أسكن مع زوجي وابنتنا الصغيرة في منزل متواضع في بشري… وصيفاً كنا ننتقل إلى الأرز ـ شاغورة، حيث الزرع والحصاد.
كانت سعادتي تنبع من سعادة زوجي وابتسامة صغيرتي، وكنا ننتظر نهار الأحد لنحصل على بعض الراحة ونذهب لزيارة الكنيسة لملاقاة الله ويسوع والعذراء مريم. كان يشوب حياتنا بعض الروتين والملل، لكننا كنا سعداء بما رسمته لنا الحياة.
بقينا على هذا الحال، إلى أن دخل إلى وطننا الغول الكبير… الحرب. لم يترك منزلاً إلا وزاره، وأصبحنا حالة دائمة في استقبال نعوش الشهداء الأبطال، ولبس الأسود والذهاب للتعزية.
بدأ الخوف يدب في قلبي، خاصة أن زوجي كان يذهب إلى الجبهة مع الشباب… كانت الأفكار السوداء تأخذني إلى أمكنة ما كنت أعلم ما هي.
في كثير من الأوقات كنت أستيقظ من نومي وأسرع إلى ابنتي الصغيرة، وأضع رأسي على صدرها لأتأكد من أنها تتنفس، هذه العادة أصبحت دائمة عندي، وهي نابعة من الخوف عليها… والخوف من القدر الذي يُخبئ للإنسان أشياء وأحداث لا يعلم بها أحد إلا هو.
منتصف الربيع، كنا نصعد إلى شاغورة ـ الأرز نهاراً لنزرع الحبوب، وفي المساء نعود إلى بشري لأن ليل الأرز يصبح كثير البرودة، خصوصاً أن مكان سكننا هو غرفة واحدة من حجارة الخفان، وسقفها قطعة قماش كبيرة من بقايا خيمة عسكرية قديمة.
في منتصف حزيران كانت إقامتنا في الأرز تصبح شبه دائمة حتى انتهاء فصل الصيف.
صباح 29 آب من العام 1978، شربت قهوة الصباح مع زوجي وصديق لنا من آل طوق. ذهب زوجي مع صديقه إلى العمل في الحقول المجاورة، وسمعت ابنتي تبكي على الرغم من أني أطعمتها، حملتها، وضعتها في حضني، وبدأت أغني لها: “يللا تنام يللا تنام لح جبلا طير الحمام روح يا حمام لا تصدق عم بضحك ع سامو ت تنام”.
وأنا أغني كنت ألمح سيارات عسكرية على الطريق العالية التي تفصل الأرز عن البقاع.
نامت صغيرتي، وضعتها في فراشها الصغير داخل الخيمة، وخرجت وأنا اسمع صفيراً يتجه نحوي، وعندما أصبحت خارج الغرفة انفجر شيء أمامي مزق جسدي وطرحني أرضاً، التفت نحو صغيرتي، رأيت صدرها يتحرك وسمعت بكاءها، صرخت وعيني نحو السماء: “يا يسوع… أنا ولا هي”. َ
سامو اليوم على قدر المسؤوليّة. أكملت دربها بكلّ صعوباتها، ولم يزعزعها زلزال الألم.
إلى روح ماريا طنوس جعجع