Site icon Lebanese Forces Official Website

اليانور يقلب موازين معركة بشري

لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، يستذكر موقع “القوات اللبنانية” حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية، كتحية وفاء لمن توج نضاله بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

 

كنت طباخاً في إحدى الشاليهات في الأرز.

29 آب 1978… كنت في الشاليه، هناك. وكنت داخل المطبخ أعمل على إنهاء “المتبل باذنجان”، وبالكاد كنت أسمع ما يحدث في الخارج نظراً لبعد المكان عن الطريق العام. فجأةً سمعت هدير آليات عسكرية تقترب من الشاليه. لحظات وبدأ الطرق القوي على الباب. فتحت… عدد من الجنود السوريين المدججين بالأسلحة ومن دون كلام سحبوني من رقبتي ووضعوا عصبةً سوداء على عيني وكبلوا يديّ خلف ظهري، ورموني داخل شاحنة عسكرية، وساروا بي ما يقارب العشر دقائق.

وقفت الشاحنة، أنزلوني منها، وسحبوا العصبة عن عينيّ، رأيت أصدقاء ورفاقاً لي كنت معهم بالأمس، مرميين على الأرض والدماء تملأ المكان من حولهم، صرخت: “يا يسوع دخيلك”.

أطلقوا النار على رأسي، فارتميت الى جانب أصدقائي. غمرني النور الإلهي ورأيت رفاق الدرب يرحبون بي.

من السماء، أصبحت أرى الأمور كما تحدث، وبدت الصورة من دون تشويش. رأيت ساحات بشري وقد امتلأت بالشباب الغاضب، صدورهم تتحدى الرياح، وأيديهم تلّوح بالبنادق العطشى للكرامة والبطولة… أسمع أصوات أجراس الكنائس وزغاريد النساء التي لها وقع الحماس، وهي بمثابة قرع طبول الحرب عند الرجال.

أُقيمت المتاريس، حُفرت الخنادق، وبدأت الاستعدادات للمعركة.

انطلقت المعركة في مكان آخر، مجموعة من الشباب المتحمس بقيادة اليانور فضول في بلدة بريسات قضاء بشري، أقامت كميناً للسوريين، وعند مرور شاحنة عسكرية سورية قصفوها بال أر بي جي وأمطروها بوابل من النيران… فُتحت أبواب جهنم، وبدأ السوريون بقصف بريسات بالمدافع من حدث الجبة حيث يتمركزون.

عُقد اجتماع موسع في بشري ضم جميع الفعاليات وممثلين عن الأحزاب، الذين أصدروا بياناً عنيفاً خلاصته: “الموت بالعزة والكرامة، ولا الحياة بالذل والهوان”. في منتصف الاجتماع جاء رسول عسكري لبناني موفداً من القصر الجمهوري يحمل مغلفاً أصفراً، وقال للحضور: “هذه استقالة فخامة الرئيس الياس سركيس وهو يضعها بتصرف أهالي بشري”. بدأت الاتصالات على أعلى المستويات، وكان الاتفاق التالي:

ـ انسحاب السوريين فوراً ومباشرةً من الأماكن التي دخلوا إليها.

ـ وقف العمليات العسكرية من جميع الفرقاء.

ـ انسحاب اليانور فضول ورفاقه من بريسات إلى بشري على أن يبقى بعهدة الأهالي.

… بعد 36 عاماً سمعنا صوتاً قادماً إلينا من البعيد: “قدوس أنت الإله الصباؤوت”. إنه اليانور، اشتاق إلى رفاقه، واشتاق إلى الحرية التي كان يفتقدها على الأرض.

(ملاحظة: توفي اليانور فضول في القلب)

Exit mobile version