.jpg)

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1744
إذا كان دم الشهداء زرع العدالة، على ما يقول المثل اللاتيني القديم، فإن أرض لبنان تمثل استثناء بشكل ما، إذ يبدو وكأنه مكتوب لها ألا تتوقف عن احتضان الشهداء، فيما العدالة معتقلة أو محاصرة أو مغيّبة.
قد يقول قائل: إنه قدر لبنان بموقعه عند تلاقي الحضارات والأديان والصراعات، وإنه قدر أهله الموزعين بين الجبال المنيعة بوعورتها الغالبة وقلة مواردها، وبين الشاطئ المفتوح على تعاقب الاحتلالات وعلى الهجرة.
ولذلك ربما، لم يجد لبنان فرصة للراحة من المعاناة وما تعنيه من نضال مرير واستشهاد دائم، إلا في ما ندر من مراحل كانت قصيرة، بل خاطفة من عمر الزمن.
إن تاريخ لبنان ككيان متمايز ومتماسك بالحد الأدنى، ارتبط بالموارنة، مع التقدير للمراحل السابقة التي تمكّن خلالها الفينيقيون بعقلهم ومركنتيليتهم من احتواء الاحتلالات أو الغزوات متفرقين ومفضلين اللجوء إلى البحر لتجنّب المواجهات والبحث عن لقمة العيش.
لقد أطلق يوحنا مارون فكرة لبنان الكيان موئلاً للحرية كرهان من دون افتعال، إذ وجد في الجبال الحصينة خير مستَقَر للموارنة الأوائل في وجه الاضطهاد واستعار النزاعات بين الأمم الكبيرة في المشرق، ومع ذلك دفع الموارنة الثمن باكرًا، سواء من خلال افتعال الفتنة بين المسيحيين، وهي تهمة يسوقها معظم المؤرخين إلى الإمبراطورية البيزنطية، على غرار الصراع بين الموارنة واليعاقبة، والذي بلغ ذروته بالمذبحة الجماعية التي ارتُكبت بحق رهبان مار مارون في العام 517 في أديار شمال سوريا غير بعيد عن لبنان، ما عزز القناعة باختيار جبال لبنان كموطن آمن.
ومع استقرار الموارنة، بدأت حقبة طويلة من المعاناة والنضال من أجل تأمين العيش الكريم ولو بما توفر من عطاءات الأرض، عبر تحويل الصخور والهضاب إلى جلول زراعية وتربية المواشي بقدر ما تسمح مساحات الرعي. وعلى الرغم من أن جبال لبنان لا تمثل “دار حرب” مفيدة أو مساحة غنية للغزو، الأمر الذي أبقاها بمنأى نسبيًا عن الصراعات، مع الفتح العربي، لكن تمسك الموارنة الشديد بحريتهم ومجالهم الحيوي ضيّق صدر العباسيين، ودفعهم إلى مضاعفة الضرائب الظالمة واستجلاب القبائل المستوطنة الى أطراف ديارهم لمنعهم من استغلال الأراضي الزراعية، فانفجرت ثورة المنيطرة التي انتهت بمجزرة واسعة بحق الثوار الذين استشهدوا بعد مواجهات عنيفة دفاعًا عن الأرض، الأمر الذي دفع بالإمام الأوزاعي إلى استهجان الوحشية والقسوة في معاملة المسيحيين واضطهادهم.
وفي العهد المملوكي، وبعد انكفاء الصليبيين، بدا المماليك مصرين على الانتقام من اللبنانيين الموارنة بحجة تعاونهم مع الصليبيين، فشنّوا الحملات المتتالية على جبل لبنان وهاجموا إهدن في العام 1282 وحاصروها وأخذوها بالسيف بعدما فضّل أهلها الاستشهاد على التسليم. ثم تابعوا حملتهم على حدث الجبة حيث قاد البطريرك الماروني دانيال الحدشيتي مقاومة شرسة تمكن المماليك خلالها بالخديعة من كسرها، فأغرقوا مغارة عاصي الحدث بالمياه واستُشهد من استشهد غرقاً أو اختناقا أو بحد السيف وتم اعتقال البطريرك وقتله في جو احتفالي.
على أن الموارنة لم يتأخروا على رغم النكبة فكان الرد بعد ستة أعوام بهجوم صاعق على الجيش المملوكي في طرابلس، لكن المعركة الأشد تعبيرا عن روح المقاومة والإيمان بالحق تجلّت في العام 1293 على الساحل الجبيلي من الفيدار الى البترون عندما هزم ثلاثون ألف مقاتل من الجبل نحو مئة ألف من الجيش المملوكي.
أما الانتقام المملوكي لهذه الهزيمة فكان شديدًا، إذ هاجم جيوش نواب الشام وطرابلس وصفد مجتمعين منطقة كسروان وقتلوا من قتلوا وهجّروا من هجّروا وسوّوا البيوت والكنائس بالأرض، فبلغ عدد الشهداء عشرات الآلاف من المسيحيين إلى بضعة آلاف من الدروز.
واستمر الاضطهاد المملوكي بحق المسيحيين مع استشهاد البطريرك جبرائيل حجولا حرقاً في طرابلس والتعرّض لأكثر من مقر بطريركي. ومن هنا يمكن فهم الغرف المنحوتة في الصخر أو المخفية خلف الجدران والتي تسمّى مخبأ البطريرك على ما نشهد حتى اليوم في إيليج ووادي قنوبين.
أما في العصر العثماني، فارتدت المقاومة أبعادًا وأشكالاً أخرى، إذ توحّد الدروز والموارنة في الكثير من المواجهات لا سيما في عهد الإمارة، وانضم إليهم أحياناً شيعة وسنّة. وسقط آلاف الشهداء دفاعًا عما كان يبرز شيئاً فشيئاً ككيان لبناني يتمتع باستقلال ذاتي.
أما الشهادة الكبرى فتمثلت في الحرب الكبرى كما سُمّيت الحرب العالمية الأولى، حيث استشهد أو مات تجويعًا ثلث سكان جبل لبنان، من دون حاجة الى رصاص ومدافع، وتوّج جمال باشا الوحشية العثمانية بإعدام عشرات المناضلين شنقاً، ليكونوا في صلب تكريس عيد للشهداء في السادس من أيار.
يعتبر البعض أن لبنان لم يدفع ثمناً كافياً لاستقلاله فجاءت الحرب لتُعمِّد هذا الاستقلال بالدم، وفي الحرب التي استمرت خمسة عشر عامًا، لم يسأل من وقف في وجه تمدّد الهيمنة الفلسطينية ومن ثم في وجه الاحتلال السوري، عن مغانم وكراسٍ، بل إن آلاف الشهداء الذين سقطوا وهم يقاومون بمحض إرادتهم، تمكنوا من كسر الكثير من الرهانات والحسابات والعروض ومشاريع التهجير بل تحويل لبنان إلى وطن بديل أو محافظة ملحقة.
لقد قاتل اللبنانيون في مرحلة أولى أولاً باللحم الحي وبما توفر، لينتظموا بعد حين في القوات اللبنانية، ويثبتوا علوَّ كعبهم في مقارعة الجيوش الجرارة والتنظيمات الغريبة وجماعات المرتزقة، وبفضل شراستهم صمدوا، وهي الشراسة التي تجلّى ثمنها الغالي بسقوط قوافل الشهداء الذين خضّبوا الأرض اللبنانية من قلب العاصمة الى جبهات القمم بدمائهم الزكية، لينبّهوا كل من تسوّل له نفسه التفريط بتضحياتهم، بأن لبنان أرض حرية لا يمكن لأي قوة في العالم أن تستخف بثمنها الغالي، وبوديعة من مات لنبقى و”لتبقى لنا الحرية”.
أنطوان مراد ـ مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]