#dfp #adsense

فوق تلة معراب عاش لبنان.. سمير جعجع يحسمها

حجم الخط

وكأن المكان في معراب واحة كرامة خضراء مبللة بالشجن والعنفوان، سمير جعجع قال ما لم يقله أحد. وكأن معراب تتوسط صحراء سوداء محتلة بالموت والارهاب والفساد، سمير جعجع، حوّل اللقاء الى معركة وجودية، إما أن يكون لبنان أو لا يكون.

فوق تلك التلة الخضراء سبحت مشاعر وشهداء ورفاق، وعيون رامشة على دمعها الرقراق، وعلت هامة الصليب فوق أرزة نصفها أغصان ونصفها الآخر رجال. تمايلت صور الشهداء فوق صدور الآباء والأمهات، كانوا يبتسمون، وهم الذي رحلوا مبتسمين حين تضرجوا بفائق الحب لهذه التراب، فحضنتهم وجعلتهم قمح الكرامة وسنابلها ومواسمها. قداس شهداء المقاومة اللبنانية في معراب.

أيلول في معراب مبلول دائماً بذاك العبق الاستثنائي، عبق لا يفوح إلا هناك، فوق، من بين غابة السنديان، في تلك الساحة الفسيحة التي لا حدود لها وإن كانت مسيّجة بالحراس، لأن من يحدها شمالاً وغرباً وشرقاً وجنوباً، شهداء ومقاومين أحياء، وأمل وطن بكامله معلّق على تلك التلة، أمل باسترجاع جمهورية حقيقية، تشبه “القوات اللبنانية” بتنظيمها وانتظامها واحترامها للإنسان، والأهم احترامها لتراب الوطن حبّة حبّة، ولأجل كل ذلك، وكي لا ننسى، تقيم قداسها السنوي المنتظر تكريماً لمن راحوا وبعدن ما فلوا، وتكريماً لأهاليه وللرفاق الاحياء، وتكريماً لذواتنا نحن القواتيين، مناصرين ومحازبين، وتكريماً لإنسانية الإنسان فينا، كي نبقى في الوفاء والامتنان لمن استشهدوا لتبقى عن جد لنا الحرية.

كم العدد؟ أربعة آلاف؟ أكثر بقليل؟ كأنهم واحد متراصف في المكان، توافدوا من كل لبنان ليكونوا لبناناً واحداً، مسلمون ومسيحيون تجمعهم قضية واحدة، استرجاع لبنان من أنياب الاحتلال، نواب ضيوف صاروا من أهل البيت، رفاق وأهل من كل لبنان، طلاب القوات بقمصانهم السود الموحدة “هيك اتفقوا الشباب بين بعضن” تقول إحدى الرفيقات، صور شهداء معلقة على صدور أهاليهم “يقبرني ليكي شو حلو يا عمو” يقول أب شهيد! “يقبرني؟” الم تدفن ابنك بعد؟ أما زال يعيش حكايته حياً؟! “ولادنا بالقوات ما بيموتوا، وبعرف انو سامعني ومبسوط وهو حارس من فوق ع رفاقو”! من أين فائض القوة تلك؟ كيف تتحول الشهادة الى ذاك الفرح الرقراق المتهادي على شجنه؟ هناك فوق فقط في معراب في قداس الشهداء، تعرف عمق إنسانية الشهادة، وعمق إنسانية وقدسية الحزن الذي يتماهى مع الحياة ليكون أملاً ورجاء مع الرب يسوع.

حانت الساعة لبدء الاحتفال. وقف الزمن ينتظر من ينتظرهم كل سنة وكلما رأيناهم، كأنها المرة الاولى. “علية، علية بيارق الضجيج الأليم…” خَبَطَت أقدام كشافة الحرية على وقع النشيد الرحباني الشهير، وكأنه زمن مقتطع من أيام فخر الدين المعني الكبير، وطن غارق بوحشية الجزّار، وتأتي أقدام الأبطال لتخبط زمن الذل، وتعلن ثورتها على “العثملّي” المحتل. كشافة الحرية والبيارق والخطوات المدوزنة على قلوب تلهف عليهم، تريد أن تكون مكانهم، تفخر بهم “جيل البُكرا” المنتظر، بانتظام شديد ودقة متناهية، يتوزعون فرقاً فرقاً بين الحضور والقلب يكرج معهم، خبطة أقدامهم تضرب على وتر العنفوان وليس أقل، ستكون عليَة، سترجع علية وطأة مقاومتنا لـ”العثملي” الجديد، سنعود ونسلمكم وطناً لن تدعس فوق ترابه المقدس الا أقدام أبطال كشهدائنا، كمقاومينا الأحياء.

انطلق القداس، الكل في السكوت، كلمة المطران أنطوان نبيل العنداري الهادئة في القائها، الصاخبة في مضمونها، طالبت بالعدالة والحق لشهداء القرنة السوداء، وشهيد الكحالة وشهيد عين ابل، ولما استشهد بمقولة بطريرك الاستقلال مار نصرالله بطرس صفير، “نحن شعب لا نعيش من دون حرية”، علا التصفيق الحار وعلت معه صورته التي توسطت صور الأبطال.

انتهى القداس، حمل سمير جعجع مشعله، وتوجّه صوب نصب الشهداء، على وقع نشيد جديد خصص للذكرى، “بالقوات اللبنانية ربينا ع إسم الحرية…الحق بيعرف مين رجالو لما الموت بيفرض حالو قبل ما يوصل منطالو ومتل ما بدنا منموت”، وجُنَت الساحة، وكأن كلمات ذاك النشيد طُرِزت تماماً على وقع هتافات القلب المكبوتة غالباً عند الرفاق، وهتافنا المكبوت هو الصراخ والغضب الذي يريد الانعتاق لينطلق في معركة وجودية حقيقية، اسمها تحرير لبنان من الاحتلال، “متل ما بدنا منموت” وليس كما يقرر الجبناء والإرهابيون في وطننا، وإذا أردنا أن نموت شهداء فنحن من يقرر، كما فعلناها على مر السنين وليس عبر يد مجرم تحكمنا بالنار والجريمة.

“جبناء هم والليل عباءة إجرامهم”، هكذا بدأ سمير جعجع خطابه الناري. خطاب حدد مواقع المصائب بأسمائها من دون مواربة، الممانعة وتحديداً حزب الله، تحدث بإسهاب عن الشهيد إلياس الحصروني وتاريخه المناضل في ذاك الجنوب الخاضع لسطوة الميليشيا، وبالحرف المباشر قال لهم “إذا كان لباطل الإجرام جولة، فسيكون لحقنا في الحياة والحرية ألف جولة وجولة، أنت مش أخضر بلا حدود، أنت أسود بلا حدود ونحنا رح نكون مواجهة الك بلا حدود”. هذا ما أراد الجميع أن يسمعوه، كلام يصرخ بالحقيقة الصعبة النافرة، صوّب عليهم مباشرة بقتل الأحرار، ابتداء من الرئيس رفيق الحريري وصولاً الى لقمان سليم والياس الحصروني، قال عنهم إنهم ذئب كالذي حاول التحايل على الفتاة الصغيرة تمهيداً لالتهامها، وأعلن أنه لن يسمح لهم بالتهام مقاومتنا، تحدث عن الحلفاء الفاسدين الذي التهموا مال الناس وعطلوا المؤسسات، رفض الحوار المخالف للدستور قبل انتخاب رئيس للجمهورية وأعلن “ع بعبدا ما بيفوتوا”، ولن يكون لنا رئيس ممانع كما يحلمون.

خطاب ناري نطق باللهب الذي يستعر في قلوب الثوار والمقاومين الحقيقيين، حكى بلسان كل لبناني حر صامت.

انتهى الخطاب، وقع الليل على الساحة وبقيت مشعة بأنوارها، أصلاً لا ليل يقع فوق، فوق دائماً ضوء يتناهى من ظلمة، بدأ الرفاق ينسحبون، خرج الجميع من الساحة لكنهم بقوا فوق، لم نخرج حتى اللحظة من المكان، تسمّرنا فوق على هتافاتنا، على أسامي الأحرار، على التنظيم الرائع، على كلمات الحكيم، على الشعلة التي لا تريد أن تنطفئ، على “دعسات قلوب الابطال لـ صارت غنيي”، على وجوه كشافة الحرية العابقة بعنفوانها، على وجوه أهالي الشهداء المشعة برجائها. كيف تترك مكاناً صار هو الوحيد صورة عن الجمهورية التي نريد؟ لم نترك ولن نفعل، وكما قال سمير جعجع “خيارنا النضال لتبقى لنا الحرية، ولتبقى لنا الحرية سنبقى قوات لبنانية”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل