
كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1744
فصلٌ مهيب من وصية القديس أفرام الإلهي السرياني الوداعية إلى تلاميذه: “أيها الإخوة يوم يدعوني الربُّ من هذه الفانية وصيتي أن لا تضعوا جثماني قرب أضرحة الشهداء لأني لا أستحق وأخشى الاقتراب من عظامهم”!
إن أنتَ بالذات يا كنّارة الروح القدس قد تهيَّبتَ مجاورة “الذين غسلوا حُلَلهم بدم الحمَل” وجاهرت برهبة مجاورتِكَ ذخائرهم، فماذا نقول نحن ونفعل ونبادر ومأثورةُ وصيتكَ تأسرنا أفرادًا وجماعةً لتقودنا إلى مُعتقلِ ضمائرنا مخفورين بالحياء الجماعي، مُكبَّلين بنتائج أرقام الحساب العسير!
أنتَ مَن جوهرتَ أشعارًا لامست جوهر مشاعر الرب، أنتَ من حلَّقتَ بسحائب قصائدَ تغزلُ غيمَ قوافٍ أفراميّةٍ تمطرُ نغمًا ينعشُ ذاكرة المعترفين ودمعًا يطهِّرُ عين التائبين إلى الذين ذرفوا دماءهم شهادةً وتقدمةً لأحبّائهم، فطبَّعوا أقدامهم بأقدام إلهٍ معلِّمٍ قائدٍ مصلوب أعلنهم قديسين طوباويين لبيعة المتاريس والدُّشَم والجبهات تُحيطُ بهم أجواقُ ملائكة الحرية والكرامة والسيادة!!
شهداءنا
بعد نيِّفٍ وثلاث وثلاثين سنة مرَّت على استراحة محاربينا وإلقائهم أخطار مهمّات المقاومة اللبنانية عن أكتافهم لرفعها علاماتِ أزمنةٍ على مفارق أجيال الـ1600 عام. بعد نيِّفٍ وثلاثة وثلاثين رمزًا لعمرٍ مسيحانيٍّ ضمَّ جسده إلى أجسادكم المُعطاةِ لنا عربونًا لحياةٍ مُحصَّنةٍ بأرواحٍ ودماءٍ إفراديَّةٍ بُذِلت للجماعةِ بكمال المحبة من دون خشيَّةٍ وتردُّد. بعد نيِّفٍ وثلاث وثلاثين إدانةً لسِلمٍ أهليِّ لقيطٍ لطيمٍ عاق دخلناه بقناعةِ المتوجِّسين وبتوجُّسِ المُسلِّمين مصيرهم للمجهول، فأدخلنا إلى بطن حوت يونان النبي وجبِّ أسود النبي دانيال، وهل كان لنا حدْسٌ صائبٌ يحذِّرنا بأن ملوك القرارات الدولية الأشبه بالأنبياء الدجّالين الكذّابين سيُبادلون نوايانا الحَسنة ووثوقنا بتعهدات السلام بمئةِ اسخريوطيٍّ ينتشلون رشوات الفِضَّةِ من لحمنا ودمنا كي يُسلِّموننا بها.. بمئة قيافا حاضرٍ مستنفر متأهِّب ليحكم علينا بالموت.. بمئة بيلاطسٌ يغسل يديه ولسانَه بصابون التنصُّلِ من دمائنا..
ويا مناداة شعوب برأبّاس وخونبَّاس وعونبَّاس بتبرئة اللصوص والحُكمِ على حُماتِهم بالإلغاء وسفكِ الدماء وهدر الأرواح والإبادة!!
شهداءنا
ها قد أشرق صباحكم المُرتجى، صباح وجوهكم العاصية على مناهجِ الغيابِ وغياهب النسيان، وجوهكم هي النور الأسنى واللهيب الأمضى، نورٌ عُلويٌ لا يستشيرُ منارةً دنيويةً في اجتياحِه داجيّاتِ الأكاذيب والأضاليل المُموَّهةِ بالحقائق والوقائع المفروضةِ علينا فرضًا، ولهيبٌ نسكيٌّ يحتويه سراجٌ ثوريٌ يرمِّدُ فينا كل جفاف عقائديٍّ ويباس فكريٍّ وقُحطٍ أخلاقيٍّ كي نستحقَ إنعامات نظراتِكم الدافقةِ علينا بوصايا من وصايا الرب الذي ائتمننا على وطنٍ، رفضناه معكم، ونرفضه مُركَّبًا تركيب أفلامٍ كرتونية!
أيلول أشرفَ على القدوم، هو أيلولكم المساوي لعرشٍ تجلسون عليه إزاء عرشِ الحَملِ الإلهي في يوم مجده، مجد الدينونة الكُبرى تَدينون فيه أسباطنا اللبنانيَّة من أولها إلى آخرها، من أكبرها إلى أصغرها، من أعلاها إلى أدناها. فإنَّ المُقترفَ بحقكم وحقوقكُم يُخسفُ الشمس ويُزلزلُ ويُسقط حجاب الهيكل!
ـ مَن أولى منكم بمُساءلةِ حقباتٍ لبنانيَّةٍ بدأت عام 1920 وإعلان دولة لبنان الكبير، وتواصلت مع عام 1943 ودولة الاستقلال، فرست بنتائجهما على أعوام 1958 – 1969 ـ 1973، حتى ما بعد أرشيف 13 نيسان 1975 الحرب على لبنان ونووية ٤ آب 2020 وتفجير بيروتشيما؟!
تلك الأعوام الفواصل كانت مرتعًا ومرعى لأمراء تبويس اللحى والأيادي، فدفعتم وحدكم جميع أثمان ما فجرت به تجارة كهّان وأصنام الهيكل اللبناني!
ـ من غيركم له كامل القرار بتمزيق الحُجُب والسَّتائر والأغطيَّةِ عن مَن أخرجكم من بين عائلاتكم ومدارسكم ومعاهدكم وجامعاتِكم واختصاصاتكم، عن مَن سحبكم من زهوات شبابكم وأحلامكم ونهارات أفراحكم وليالي أنسكم وحفلاتكم كي تكونوا بديلاً فُجائيًا عن شرعيَّةٍ عسكريةٍ طُلِبَ منها الدخول القسري إلى داخل أبواب ثكناتِها، تارةً بحجة “الحياد وعدم الانقسام”، وطورًا ببدعة غرائب شعار «الخرطوشة الأخيرة» حين الرصاصُ المُرتزِق يخرق بإصرار رأس الوطن الكيان وصدره.. أيامها نهضتم شِبهَ عُزِّلٍ من سلاح الدفاع مدرَّعين بقرار الحياة بكرامة أو الموت برؤوسٍ مرفوعة، تنتشرون على طول خطوط متاريس مُرتجلةٍ وبأيدكم أسلحةٌ فرديةٌ معظمها بدائي ومُشترى بعرق عنفوان جباه أهلكم، تواجهون أذنابًا من خائنين بلديين، وأرتالاً من مُرتزقةٍ إقليميين، وأفواجًا من إرهابيين أمميين، فصمدتم صمود ذراعَي المصلوب، وانتصرتم انتصار إكليل الشوك على تيجان مختلف أشكال وأنواع النيرونية والنيرونيين.. إلى أن وبسحرٍ سحَّارِ ومُنجِّمي «الدول العُظمى»، فُرضِت علينا هدنةٌ رقَّاصةٌ هزهازةٌ تمَّ خلالها تركيب دولة «من كل وادي عصا» بنمط تركيبة “كل من إيدو إلو”.. فتفشَّى فينا كالطاعون زمن المنافقين وبني الرياء، فأقاموا محاكم تفتيشٍ للبحثَ والتحرِّي عن كل مقاومٍ ملأت بطولاتُه وتضحياتُه جميع فراغات غياب الشرعيةِ لاعتقاله ومحاكمته وإدانتِه بتهمة الخروج على الشرعية!!
أبرارنا الطوباويين
هوذا أيلولكم قد أصبح على مشارف السّماء ولبنان والوجدان العام، فتلكُن آيات أنواره نيرانًا لهَّابةً تستدعي إلى جحيمها بعضَ شعبٍ ذميمٍ دميمٍ رخيص أفتى الزورُ أنه من شعبكم وبني موطنكم. أولئكَ الممسوخون بثعلبنة العقول وذأبنةِ الأخلاق، وضبعنةِ النوايا وتمسحة القلوب، من كانوا في حمى المهاجر وأنتم تحمون بيوتهم وأملاكهم. أولئك المذمومون وعند أول إستراحةٍ لمحاربيهم الأشداء إنفلتوا كالجرذان من أقفاصهم ومصاليهم وأفلتوا عليكم ألسنة الحيّات أولاد الأفاعي يفحّون ويقطرون السموم!
إنَّه أيلولكم الرسوليُّ الرسائليُّ يهبُّ في ريح عنصرة أيلوليةٍ تفلفشُ أوراق ومستندات وخبايا وخفايا صحافةٍ عرجاءٍ شوهاء، وإعلامٍ رخيص يعتاشُ ويتسوَّلُ مِن صناديق سوداء همُّها ومَهمتُّها قلب الحقائق رأسًا على عقبٍ وتدجين الوقائع الدامغة بما يريده سيف السلطان وخبزه، مُنزلين عليكم وعلى إخوة ورفاق دربكم ودمكم تسمية «أمراء الحرب». أنتم الذين لم تكونوا يومًا إلا أمراء الصمود والوجود مُتناسين مُتغافلين بأن أمراء الحرب من قضموا جِبنة الدولة وارتشفوا إكسير مائها حتى آخر نقطة.. وبأن أمراء الحرب هم فتحوا ونظّموا وتقاسموا تعاونية الأسلاب والمغانم والغنائم والصفقات والتصفيقات.. وبأنَّ أمراء الحرب هم من سكتوا وأخرسوا ألسنتهم وأقلامهم عن الذين استسلموا واستسهلوا الإستهانة بمقدسات اليكيان اللبناني منذ دولة لبنان الكبير إلى دولة إتفاقية القاهرة وفتح لاند وصولاً إلى دولة وثيقة مار ميخائيعون!!
يا بيت قرباننا
أيلول 2023 يهبطُ علينا حاملاً إلينا من لدُنِكُم سِفرَ رؤيا ذبيحةٍ إلهيَّةٍ لبنانيَّةٍ معرابيَّةٍ أنتم قدّاسُها وأقداسُها، وأنتم قدِّيسوها، توافوننا من فوق الفوق تُجلِّلُكم أرواحكم الأرزية ودماؤكم الأفخارستية وبدلاتكم الزيتية، نكون وإياكم داخل ساحةٍ مُكرَّسةٌ لأمهاتكم وآبائكم وأبنائكم وأحفادكم وإخوتكم وأخواتكم يفاخرون بمجالسة رفيقٍ قائدٍ لطالما سابقكم إلى مواقع الأخطار ومرابض المغاوير ومشارف الموت. وإلى ساحة رفع قرابينكم يلاقيكم رفاقٌ إخوة وإخوةٌ رفاق تقاسمتم وإياهم حمل صلبان الوطن والخبز المُغمَّس بتراب أرض الجبهات وبدمٍ توزَّعت إنعاماتُه بالعدل الحبِّي على شرايينكم!
رهبانٌ نسَّاكٌ حبساء بتقدمة ذبيحة أيلولكم وقراءة إنجيلها ورفع قرابينها. رهبانٌ نسّاكٌ لا يعترفون إلاَّ بحضرة قائد جبهة جلجلة الصَّلبِ فداءً عن المسكونة جمعاء، وبحضرةِ قادة جبهات الموتِ فداءً عن الأُمَّةِ اللبنانية، وبحضرة أهلٍ وقائدٍ ورفاقٍ يجسِّدون معًا مشهدية رعية مساء الجمعة العظيمة بالأم الحزينة ويوحنا الحبيب والتلميذ الطاهر الواقفين السّاهرَين مدى الدهور عند أقدام الصّليب وانتظار قدوم فجر القيامة!!!
شهداءنا. إخوتنا ورفاقنا. أمنا وأمانتنا. عقولنا وقلوبنا وعيوننا. رسمة وجوهنا ووجهاتنا، نطلب شفاعتكم وسلامنا لكم!
المجد للرب، وليحيا لبنان.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]