هل بدأت أوكرانيا معركة تحرير القرم؟

حجم الخط

انطلقت السلسلة في 10 آب تقريباً. منذ ذلك اليوم، بدأ القصف الأوكرانيّ لشبه جزيرة القرم يأخذ وتيرة تصاعديّة. والأهداف بمعظمها عالية القيمة، معنويّاً أو ميدانيّاً. استهدفت أوكرانيا أوّلاً قاعدة ساكي الجوّيّة ودمّرت عدداً من المقاتلات. في 23 آب، أي بعد نحو أسبوعين، استهدفت منظومة “أس-400” الروسيّة في أولينيفكا. خلال اليوم التالي، رفعت العلم الأوكرانيّ في بلدتي ماياك وأولينيفكا الواقعتين في شبه الجزيرة لأوّل مرّة منذ عشرة أعوام تقريباً.

في 13 أيلول، استهدفت كييف غواصة “روستوف” وسفينة الإنزال البرمائيّ “مينسك”، ثمّ ضربت مجدّداً منظومة “أس-400” في ييفباتوريا يوم 14 أيلول. وقصفت قاعدة ساكي الجوّيّة مجدّداً في 21 أيلول، قبل أن تضرب مقرّ قيادة أسطول البحر الأسود في سيباستوبول يوم 22 أيلول. ووردت أنباء يوم السبت عن استهداف المنطقة مجدّداً.

محور خامس؟

قبل الغزو الروسيّ الواسع النطاق لأوكرانيا في 24 شباط، نشرت روسيا خمس منظومات “أس-400” في القرم. خلال أربعة أسابيع، دمّرت أوكرانيا اثنتين منها. اللافت أنّ الأسلحة المستخدمة، بحسب مسؤولين في كييف، لم تكن غربيّة بل أوكرانيّة من طراز “نبتون” وقد خضعت للتعديل. تمكّنت أوكرانيا من إغراق طرّاد “موسكفا” في نيسان 2022، عبر استخدام هذه الصواريخ المضادة للسفن. إذا كان صحيحاً أنّ أوكرانيا طوّرت الصواريخ لاستهداف “أس-400” فهذا يعني أنّها قطعت شوطاً كبيراً على المستوى التقنيّ. (يقال إنّ أوكرانيا استخدمت أوّلاً المسيّرات لضرب الرادارات ثمّ الصواريخ لاحقاً لتدمير منصّات الإطلاق).

استهداف “أس-400” ضربة مؤلمة للصناعة الدفاعيّة الروسيّة التي روّجت لأسلحتها باعتبارها “لا تُقهر”. من جهة أخرى، يبدو أنّ القضاء على هذه الصواريخ يزيل عقبات أمام أوكرانيا لاستهداف شبه الجزيرة. يقول مراقبون إنّ المنظومة الدفاعيّة قابلة للاستبدال أو التطوير. لكنّ السؤال المحوريّ هو بأيّ سرعة. بحسب المؤشّرات الأخيرة، لم يعد الميدان مقتصراً على الهجوم البرّيّ المضادّ الذي تشنّه أوكرانيا في أربعة محاور رئيسيّة وأبرزها في محور أوريخيف – روبوتين حيث تحقّق التقدّم الأكبر. بطريقة أو بأخرى، أصبحت القرم “محوراً خامساً” للهجوم وإن كانت المعركة هناك محصورة بالضربات الصاروخيّة. لكنّ هذه الضربات لا تنتقص من أهمّيّة المعركة.

أهداف

ثمّة غموض يلفّ ما إذا كانت أوكرانيا تنوي السيطرة عسكريّاً على شبه الجزيرة، بالنظر إلى أنّ جزءاً كبيراً من سكّانها يحمل مشاعر إيجابيّة تجاه روسيا. لن يكون مفاجئاً، حتى ولو وصلت إلى بحر آزوف وامتلكت الإمكانات العسكريّة لتحقيق ذلك، أن تكتفي القوّات الأوكرانيّة بمحاصرة شبه الجزيرة عوضاً عن اقتحامها، وإجبار القوّات الروسيّة على الانسحاب بعد عزلها. بإمكان أوكرانيا الاستناد إلى الهجمات الصاروخيّة البعيدة لجعل الوجود العسكريّ الروسيّ في شبه الجزيرة غير قابل للاستدامة، وبكلفة زهيدة نسبيّاً، مقابل الأكلاف البشريّة الكبيرة لقطع الجسر البرّيّ الروسيّ.

في الوقت نفسه، تمثّل القرم رمزيّة خاصّة بالنسبة إلى الروس الذين استثمروا فيها منذ ضمّها سنة 2014 والذين يتذكّرونها كمقرّ للقياصرة والزعماء السوفيات. يدرك الجيش الأوكرانيّ أهمّيّة الرموز بالنسبة إلى القيادة العسكريّة الروسيّة. دفعت موسكو أثماناً كبيرة لقاء السيطرة على مدن تحمل أهمّيّة معنويّة أكثر ممّا من أيّ أهمّيّة استراتيجيّة مثل باخموت وسفيرودونيتسك وليسيتشانسك. استغلّت أوكرانيا تركيز روسيا على تلك المدن لمحاولة استنزاف الجيش الروسيّ، حتى بوجود نصائح معاكسة من الغربيّين.

بالتالي، يمثّل الاستهداف المتكرّر للقرم ضربة معنويّة للروس الذين سيتساءلون، أقلّه بحسب الحسابات الأوكرانيّة، عن قوّة روسيا في الدفاع عن أهمّ مناطقها وأصولها. على سبيل المثال، تترك الصور والفيديوهات عن الأهداف الروسيّة المدمّرة داخل القرم، كمقرّ قيادة أسطول البحر الأسود، تأثيراً دعائيّاً حربيّاً أوسع وأسرع من ذاك الذي تتركه السيطرة على إحدى البلدات، حتى ولو كانت على خطّ سوروفيكين الشهير، مثل روبوتين. بالفعل، ساهمت هذه الضربة في نشر مشاعر سلبيّة بين المدوّنين العسكريّين الروس على ما ينقله “معهد دراسة الحرب” في واشنطن.

تأثير متبادل

يملك استهداف القرم أيضاً أهمّيّة عسكريّة خارج نطاق الدعاية الحربيّة أو إنهاك القوات الروسيّة في شبه الجزيرة. قال رئيس جهاز الاستخبارات العسكريّة الأوكرانيّة كيريلو بودانوف في حديث إلى “صوت أميركا” إنّ الكولونيل جنرال ألكسندر رومانتشوك واللفتنانت جنرال أوليغ تسيكوف أصيبا بجروح خلال الهجوم على المقرّ. ورومانتشوك هو قائد العمليّات الروسيّة في منطقة زابوريجيا. كذلك، تستخدم روسيا القرم من أجل إطلاق هجمات صاروخيّة ضدّ أوكرانيا ولإمداد القوّات الروسيّة في زابوريجيا وخيرسون. لكييف أيضاً هدف تمديد انتشار القوّات الروسيّة على طول خطّ الجبهة لجعل دفاعات الجيش الروسيّ أضعف. يواصل الجيش الأوكرانيّ ضغطه على مدينة باخموت لتكبيل أكبر عدد ممكن من القوّات الروسيّة (بما فيها تلك النخبويّة) وإبعادها عن الجنوب. بالمثل، وبسبب الضغط الأوكرانيّ على القرم، قد تضطر موسكو إلى نشر أصول وجيوش إضافيّة في القرم حارمة الشرق من الدعم العسكريّ.

المصدر:
النهار

خبر عاجل