منذ مطلع التسعينات وحتى اليوم، يشهد لبنان تغيّراً مناخياً حقيقياً وتقلبات مناخية لافتة ولا سيما لجهة كمية المتساقطات من الأمطار. وتفاقم الوضع في السنوات العشر الأخيرة وتفاقمت تداعياته خصوصاً لناحية الثروة الحرجية، إذ بدأنا نلاحظ خللاً كبيراً بدأ يظهر في حرارة الطقس، إذ تارةً يُسجَّل ارتفاع ملحوظ غير اعتيادي في درجات الحرارة لأيام معدودة، وطوراً امتداد فترة الجفاف والحرارة المرتفعة لفترات أطول وذلك في السنوات الثلاث الأخيرة تحديداً. وهذا الواقع يهدد بشدة الثروة الحرجية.هذا ما يؤكّده الأخصّائي في علم الحشرات وبيئة الغابات ومدير “المركز الأعلى للبحوث” في جامعة الروح القدس ـ الكسليك نبيل نمر في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، ويشير إلى التغيّر المناخي على مستوى العالم “حيث نلاحظ أن من بين السنوات العشر المذكورة، هناك ست سنوات – بما فيها سنة 2023 – من أكثر السنوات ارتفاعاً في الحرارة على وجه الأرض في تغيّرات مناخيّة ظاهرة للغاية منذ بداية الحصول على معطيات مناخيّة، أي بما يفوق الـ100 عام حتى اليوم”.
ويوضح أن “هذا الواقع أثّر سلباً على الثروة الحرجيّة وخصوصاً في لبنان لأن غالبية أراضيه مؤلّفة من جبال ووديان، فيما الشواطئ تشكّل مساحة ضيّقة. فمن الطبيعي أن التغيّرات المناخيّة التي شهدناها طاولت بشكل أكبر جبال لبنان ولا سيما الغابات أو بالحريّ ما تبقى منها…”.
ويفنّد نمر تأثير التغيّرات المناخيّة على الغابات، والأسباب التي تؤدّي إلى انقراض، إذا صحّ التعبير، الثروة الحرجيّة:
– الأولى: أحدثت التغيّرات المناخيّة تغييراً في النظام الأيكولوجي للغابات، وظهرت أمراض غريبة وحشرات لم تكن موجودة سابقاً إما “دخيلة” تسرّبت من خارج البلاد أو أصبحت دورة حياتها أكثر سرعة أي أصبحت تطوّر خلال شهر واحد بدل ثلاثة، وهناك حشرات أصبحت تظهر سنوياً بعدما كانت تظهر كل ست أو سبع سنوات.
– الثانية: كل ذلك أدّى إلى استفحال بعض المكوّنات في النظام الأيكولوجي الذي أثّر سلباً على الأشجار، لأن هذه الحشرات في نهاية الأمر ستتغذّى من الثروة الحرجيّة التي تتآكلها أيضاً الأمراض المنتشرة الآنفة الذكر. الأمر الذي شكّل ضغطاً ثقيلاً على الأشجار وأدّى إلى إضعافها وبدأ اليباس يفتك بها حتى بلغ معدّله الأكبر في السنوات الخمس الأخيرة.
ويُضيف: بفعل تدنّي الرطوبة وارتفاع معدّل الحرارة، انحسرت نسبة التكاثر الطبيعي للأشجار أي لم تعد قادرة على التكاثر بشكل طبيعي إلا إذا أمّنا لها المياه خلال موسم الصيف أو فصل الخريف، كي تتمكّن البذور التي تنبت في فصل الربيع من النمو جيداً في حال نجحنا في أن نوفّر لها المخزون الكافي من المياه في الأرض.
– ثالثاً: كمية الحرائق. بما أن لبنان بلد صغير في مساحته من جهة، والوعي الذي تحلّى به اللبنانيون في الفترة الأخيرة ومبادرات التنبيه من الحرائق من جهة أخرى، نجحنا هذا العام من في الحدّ من نسبة الحرائق لكن ذلك لا يعني أن خطرها لم يعد موجوداً… إذ حالياً تواجه غابات لبنان أعلى نسبة مخاطر من اندلاع الحرائق، خصوصاً أننا دخلنا في الفصل الحَرِج من السنة حيث يكثر اليباس ويصبح أكثر قابليّة للاحتراق المعرَّض للانتشار السريع مع هبوب الرياح، يُضاف إلى ندرة الأمطار وبالتالي فقدان الأرض للرطوبة الكافية.
ويخلص إلى القول إن “التغيّر المناخي هو السبب الأوّل للحرائق لأنه يسبّب بتدنّي الرطوبة وارتفاع معدل الحرارة، ما يعزّز تكاثر الأغصان اليابسة القابلة للاشتعال بسهولة. وهذا أمر يوجب التنبّه إليه”.
ويشير نمر إلى معطى آخر “يرفع من منسوب مخاطر الحرائق في الغابات والذي برز في الفترة الأخيرة في مناطق عكار، وهو “القطع الجائر غير المسؤول للأشجار” ويشرح في هذا السياق: يهتم قاطعو الأشجار بقِطَع الحطب الكبيرة ويتركون أرضاً كل بقايا الخشب الصغيرة والرفيعة الناتجة عن عمليات القطع، وتصبح قابلة للاشتعال بما يعرّض المناطق التي تحصل فيها عمليات القطع العشوائي، لخطر الحرائق”.
“إنها الأخطار البارزة على الثروة الحرجيّة في لبنان” يختم نمر، ويأسف “لغياب الرقابة الفاعلة إن على صعيد الحَجر الصحّي عند استيراد الأشجار أو غيرها، فنسمح بانتشار أمراض وحشرات “دَخيلة” تأتي من الخارج وتستوطن في غابات لبنان وتشكّل خطراً أكبر من الحشرات الموجودة أصلاً في غاباتنا والتي نعلم دورة حياتها جيّداً”.
