Site icon Lebanese Forces Official Website

بدم الحجولاوي

الزاهد البار جبرائيل كان راهباً من رهبان عواصي قنوبين، متوارياً إلى نكران ذاته البشرية، مترفّع البصر عن ما يذّكره بمباهج الدنيا ومسراتها الصاخبة. هناك تراءت قبة السماء الزرقاء لعينيه المتمرّستين بالانخطاف، شعاع قربان سماوي اللون والرهبة مصمود فوق مرتبة أشيار قاديشيّة شاهقة بارتفاع، بمقياس نعمة صخريّة تحجب عن البصائر المتزهدة أملاكاً هجرها زهادها لأجل بلوغ الملكوت الآتي. محابس الفردوس القنوبيني حبست أنفاس جبرائيلها حتى استشعر بأنّ أنفاسه نسائماً دافقة تؤجّج النار اللاهبة في قلبه المتحوّل إلى سراج يرشده نوره إلى محبسة يدخلها حبيساً عابراً من بابها إلى الباب الضيّق المتّصل أساساً بباب ملكوت ليس لطريقه فرع للطرقات الواسعة المؤدية إلى الهلاك، والراهب جبرائيل مؤمن متأكّد بأنّ محبسته العتيدة مفتاحها واحد وحيد مصقول من آية التخلّي المطلق: “أترك كل شيء وتعال أتبعني”!

لأسباب طارئة مبهمة لا يدرك أسبابها ومسبباتها العميقة إلاّ الأقنوم الثالث الغائص في خفايا بيعة المسيح، تمّ عزل البطريرك الماروني يوحنا العاقوري عن السدّة البطرسية الأنطاكية، ممّا  حثّ روح قدس المجامع الانتخابية الحبروية، لأن يطرح الصوت على جماعة رهبان قنوبين ويعالجوا الفراغ الراهن بمجمع انتخابيّ يختارون فيه من تهمس باسمه ضمائرهم اليقظة النقية، فكانوا حاضرين مستعدّين لمواكبة العنصرة البطريركية الجديدة بخروجهم من قلاليهم وصوامعهم ومنعزلاتهم، لغاية الالتقاء العام والتشاور الأخوي بروح الصلاة المصفّاة من أي تأثيرات تتسلل إليهم من خارج ذلك الوادي المنذور بأكمله لأصفياء الرب ومختاريه، فكان فحص ضمائرهم وغربلتها غربلة القمح من الزؤان أولى أولياتهم الانتخابية وهم واقفون تجاه مسؤوليتهم الجسيمة التاريخية في اختيار رئيس رؤساء، فيه من الأبوّة وغزارة الوزنات وصلابة القيادة وحكمة المشورة الصالحة ليقود أمّة وديعة الإيمان والحرية والشهادة إلى وعد يسوع لها: “لا تخف أيها القطيع الصّغير، لأنّ أباكم قد سرّ أن يعطيكم الملكوت”، وهل لمملكة مارونياً أغلى من مملكة لبنان!

أنعقد المجمع الانتخابي القنوبينيّ وسط عراء مستوحى الشكل والمضمون من خيمة مارون الإلهي فوق ذرى قورش، فطلب المتقدّم في الأخوة من أخوته رهبان الاقتراع أن يستلهموا الاسم الذي ترتكز في يمينه عصا الراعي البطرسي الإنطاكي الماروني، ثم يكتب ويخطّ اسمه المختار على ورقة غريبة الصّقل عن جميع أوراق المجامع الانتخابية الكنسية، فقد طلب من رهبان مجمع قنوبين استعمال أوراق الجوز كورقة يكتبون عليها إسم  من يستلهمونه سليلاً بطريركياً مرسلاً من اختيار الروح له لينهض بشعبه إلى الصمود الشاق في أرض الميراث والمواعيد، فكتب الأخوة الإسم المرتجى بفحم مخصص لجمر مباخرهم، ولحظة انتهاء الاقتراع طلب المتقدم الذي كان بمثابة رئيس المجمع من أخوته السجود للصلاة، ثمّ الجلوس على صفّة الأحجار لأجل أن يعلن عليهم من هو البطريرك الجديد الذي نال أغلبية أصواتهم وحسن ثقتهم، وبخشوعّ كليّ أصغوا إلى المتقدم  يتلو بتهيّب إسم الراهب جبرائيل المتحدّر من قرية حجولا الجبيلية البطريرك الثاني والأربعين بعد أبون مار يوحنا مارون، فاستهول الوديع الزّاهد الطّامح إلى العيشة النسكية دون سواها، أن تلقى على منكبيه كرسي انطاكيا وسائر المشرق فحاول الاعتذار والتواري، لكنّ جماعة الأخوة أحاطوه بسور من المحبة والتشجيع راجينه التسليم الأمين بمشيئة الرب، مقدمين له طاعتهم البنوية ووعدهم بالسيّر إلى جانبه، مهما كان في عهد مسيرته البطريركية دروب صلبان، فمن هو هذا الراهب الزّاهد البطريرك جبرائيل الذي ألّفت حياته الاستثنائية لأجداد أجدادنا، نصّ قسم وحلفان مبرمين كلما أقسموا وحلفوا :بدم الحجولاوي!

صروح البطريركيات المارونية الأولى تشكّلت أمكنتها على شكل صليب، ابتدأ من القاعدة حتى الرأس، فرسمت قاعدته من صرح وادي حربا ـ كفرحي، صعوداً إلى صرح يانوح، ليتخذ شكل ذراع الصليب اليمين، ثم امتداداً إلى صرح إيليج، لتكتمل ذراع الصليب الشمال، ثم ارتفاعاً إلى قنوبين، صرحاً يرمز إلى رأس الصليب والمصلوب، فهل من شكّ بأن هذا الرسم البطريركيّ الصلبانيّ مخطوط بغير دم المصلوب بثمينه وأثمانه؟!

بلدة تحوم المبنية على كتف وادي حربا، كبوابة أساسيّة لطريق القديسين بين جربتا وكفيفان، هناك خطأٌ شائعٌ بتحديد وتوصيف إسمها المشتق من  السريانية “تحومو” أي الحدود بوصفها، حداً فاصلاً بين محافظتي جبل لبنان ولبنان الشمالي، واسمها الأعمق تفسيراً ودلالة وترميزاً، يؤكد بأنها أول حدود صروح البطريركيات المارونية الأولى المنتشرة على شكل صليب، كرّست لأجله أكتاف وأجساد بطاركة موارنة قاربوا ربّهم المصلوب بكامل مساحة ومسافة جمعته العظيمة من أول خطواتها حتى شهقة النّزاع فوق الخشبة، وقد كان البطريرك المغبوط جبرائيل بطرس أبي خليل الحجولاوي هو أحد ألمع مصلوبي انطاكيا وسائر كنيسة الشرق والغرب!

المماليك سلالة قبائل الهمجية، كانوا نكبة هذا الشرق المستباح للغزوات والسّلب والسّحل والمجازر. منهم ومن أمثالهم كان لهم مع شعبنا كما سائر الشعوب التائقة إلى الحرية والكرامة والسيادة، ما كان لروما مع نيرون السفّاح إمبراطور النار والدمار والخراب والحرائق والمحارق، فعند حلول ربيع العام 1367، وجّه الحاكم المملوكيّ طينال السفّاح الذي كان حاكماً على ولاية طرابلس، اتهاماً للبطريرك الماروني مار جبرائيل الثاني الحجولاوي الجالس على كرسي صرح سيدة ميفوق، بأنّه على اتصال وثيق دائم بالكرسي الرسولي في  مدينة روما، ودليلهم على ذلك استقبال البطريرك لمرسل بابويّ داخل صرحه الإيليجيّ، معتبراً بأن هذا الاتصال والاستقبال يساوي الخيانة العظمى، وكل طامح إلى الحضارة ورفعة الإنسانية هو خائنٌ عند أمراء وملوك وأباطرة الظلامية والتوحش الخلقيّ والأخلاقيّ، فجهزّ المملوكي الأسود طينال، جحافل الإجرام والهدم والسطو للزحف إلى جرود بلاد جبيل في أواخر أذار من العام 1367، بهدف اعتقال البطريرك جبرائيل وسوقه مخفوراً بذات  الطريقة والطريق التي جرّ إليهما معلمه يسوع إلى أمرّ الآلام وأفدح الجراح، فاستغلت الجحافل المجرمة هدف هذا الهجوم لأجل النهب وانتهاك جميع دساتير الإنسانية وأعرافها، وبعدها غزوا قرية حجولا مسقط رأس البطريرك وضيعته، وأسروا أربعين رهينة من أقاربه وهدّدوا بذبحهم وحرقهم إن لم يسلّم راعيهم نفسه!

البطريرك جبرائيل الذي التجأ إلى مغارة نائيّة عصيّة نزولاً عند توسل أساقفته وأبناء رعاياه، وصلته أصداء الإنذار المملوكي الوحشيّ فرفض رفضاً جازماً حاسماً أن تبذل رعيته ذاتها فداء عنه، وهو المنذور المكرّس منذ أول أيام العهد البطريركي، ليكون الراعي الذاهب إلى هوان العذاب والموت، احتضاناً أبوياً لحياة أبنائه وثباتهم في بيوتهم وأرزاقهم وقراهم، فخرج من مغارته خروج معلمه يسوع من بستان الزيتون إلى فداء الأمّة الإنسانية جمعاء، فتقدم القيدوم البطريركي جبرائيل من جلاّديه صارخاً بوجوهم، ها أنذا سائرٌ برجليّ إلى إعدامكم، فحرّروا جميع الذين أسرتموهم من أبنائي وشعبي!

مشى مار جبرائيل بين المجرمين مكبلاً بالسلاسل الحديدية وبكاء أهالي القرى ونحيبهم، يدق أبواب السماوات ويهزّ عروش المستبدين التي لا تغرقها إلا دماء شهداء الإيمان والحرية والكرامة الإنسانية،  كما اقتادوا معه سبعة عشرة من رهبانه حفاة مهانين ملطومين، وعند وصول موكب الجلجلة الإيليجية إلى ولاية طرابلس، أمر طينال المملوكي برفع بطريرك الأمة المارونية فوق صليب رأسه مُسنَّن كرأس حربة، وأحراقه حياً، وبعد انتهاء محرقته وضعت بقاياه داخل حفرة في محلة باب الرمل كانت مصدر شفاعات وشفاءات عند كثيرين من المؤمنين بالأخوّة الإنسانية ومن جميع الطوائف، أما ضريح راعي الرعاة الشهيد فقد عرف بين أبناء تلك المحلّة بقبر “الشيخ مسعود”، على رجاء أن تتولى البطريركية المارونية ومعها سائر أبناء الكنيسة المارونية مهمة البحث عن ذخائر رفات مار جبرائيل بطرس أبي خليل الحجولاوي، وإعادتها إلى أرض سلطانة الشهداء إيليج المقدسة بموكب شعبيّ مستحقّ أن يقسم ويحلف: “بدم الحجولاوي”!

أغرب تصريحّ أطلقه يسوع أمير المحبة والسلام والفداء:

” ما جئت ألقي في الأرض سلاماً، بل حرباً وناراً”.

إنها الحرب القدسية الشاملة على سلام وأمان المستسلمين للمذلة والخنوع والذمية والتبعية وتقبيل أيادي السلاطين وتوسّل خبزهم وإحساناتهم وعار أمنهم وسلامهم!

إنها ذات النار التي ارتفعت من هامة بطريرك أمّة وديعة الإيمان والحرية مار جبرائيل بطرس الحجولاوي، حتى بلغت مشاهدها إلى أبصار جميع الأجيال الآتية، تقسم بدمائه النورانية بأنّه، لن يصمد آل نيرون ومملوك فوق أرض لبنان!​

Exit mobile version