يحرّك دخول قطر بشكل مباشر وتسلّمها دفّة الجهود الدولية لإيجاد مخرج لأزمة الرئاسة في لبنان، الحالة الانتظارية التي تطبع هذا الملف، ويُدخل نفساً جديداً في مقاربة الاستحقاق الرئاسي الذي يراوح مكانه عملياً، فيما يشرف الشغور الرئاسي على إتمام سنته الأولى. ويواصل وفد قطر برئاسة جاسم بن فهد آل ثاني جولاته على القيادات اللبنانية، وسط تكتم شديد حول مضمونها. وفي حين يبدي فريق المعارضة تجاوباً مع المسعى القطري والبحث في خيار جديد، يظهر تشدد فريق الممانعة وتمسكه بمرشحه على الرغم من انعدام فرصه بظل إجماع معظم الأطراف المحلية والدولية على أننا دخلنا في مرحلة جديدة.
كل المعلومات التي رشحت من أوساط معظم من التقاهم الوفد القطري، حتى الآن، تتقاطع على أن جوهر التحرك الاستكشافي الذي بدأه تمهيداً لزيارة وزير الدولة للشؤون الخارجية القطرية محمد عبد الرحمن الخليفي في الأيام المقبلة، يتركز حول البحث في خيار رئاسي جديد توافقي لا يشكل تحدياً لأي طرف. في حين تتوضح أكثر فأكثر هوية الفريق المعطل، أي فريق الممانعة، المانع لانتظام الحياة الدستورية والسياسية في لبنان بانتخاب رئيس للجمهورية.
أهمية التحرك القطري أنه يحظى بمباركة اللجنة الخماسية المتابعة للملف اللبناني التي تضم الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية وقطر ومصر، بدءاً من انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وبات معلوماً الموقف الحاسم للّجنة منذ البيان الصادر عن اجتماعها في الدوحة، ورسمها لخريطة الطريق الإنقاذية المطلوبة. والرسالة واضحة: الانتقال إلى مسار جديد عنوانه التوافق حول خيار رئاسي ثالث من خارج الإصطفافات. هذا الأمر الذي أكد عليه الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لو دريان، أمس الثلاثاء، داعياً المسؤولين اللبنانيين إلى حلّ وسط عبر خيار ثالث لحلّ أزمة الرئاسة فيما لا يمتلك أي فريق أكثرية برلمانية تخوّله إيصال مرشّحه، مشدداً على أن دول اللجنة الخماسية التي تتابع الملف اللبناني منزعجة للغاية، وتتساءل عن جدوى استمرار تمويل لبنان.
من الواضح أن الممانعة مربكة إزاء مقاربة هذا التوجه الجديد الذي تتولى قطر قيادته الحالية. فمن جهة ترفض الممانعة النزول عن “شجرة التحدي” من خلال ما تسرّبه عن تمسّكها بمرشحها خلال اللقاءات التي جمعتها مع الموفد القطري، فيما يقول رئيس المجلس السياسي لـ”الحزب” ابراهيم أمين السيد إن هناك محاولات خارجية مع بعض الداخل للتوصل إلى انتخاب رئيس يرضى به الجميع، ونحن نتابع ما سينتج من جولة الوفد القطري، مع التأكيد أن موقفنا حتى الآن دعم ترشيح الوزير السابق سليمان فرنجية.
مصدر بارز في المعارضة، يؤكد، أنه “بغض النظر عن مناورات الممانعة وتكتيكاتها، فإن الثابت فعلياً أننا انتقلنا إلى مرحلة البحث في الخيار الثالث”، مشيراً إلى أن “الموفد القطري أبلغ مباشرة فريق الممانعة، وتحديداً الثنائي الشيعي، خلال لقاءاته معه، أن هناك معارضة شديدة لفرنجية، داخلياً ودولياً، بالتالي بات من الضروري البحث في خيار ثالث”، ولافتاً إلى “تصريح لو دريان بالأمس الذي يصبّ في الإطار ذاته، والذي يبدو أنه تقصّد إطلاقه بالتزامن مع وجود الوفد القطري في بيروت، ما يدحض الكلام عن خلافات داخل اللجنة الخماسية ويؤكد اتفاقها على هذا التوجه. علماً أنه سبق للو دريان أن أسمع فريق الممانعة خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت الموقف ذاته”.
يضيف المصدر ذاته، لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني: “الخيارات باتت محدودة أمام فريق الممانعة، بعدما فشلت كل محاولات الترغيب والتهديد والضغط على المعارضة، في محاولة لإخضاعها وجعلها تتراجع عن موقفها الحاسم، برفض وصول رئيس ممانع يستكمل نهج السيطرة والإطباق على الدولة اللبنانية”.
يتابع: “لن تقبل المعارضة تحت أي ظرف برئيس تابع لمحور الممانعة، لأن ذلك يعني حُكماً استمرار مسار الانهيار القائم إلى مندرجات أسوأ، في ظل تأكيد المجتمع الدولي والأسرة العربية، وبالتحديد دول الخليج وفي مقدمها السعودية، على عدم الاستعداد لتقديم أي مساعدة للبنان في هذه الحالة التي تعني استمرار نهج الفساد والمحاصصة والزبائنية الذي أوصل لبنان إلى الانهيار”.
بالتالي، ينوّه المصدر البارز في المعارضة، إلى أن “فرص المناورة تضيق أمام الممانعة، وفي ظل استحالة أي فريق إيصال مرشحه بمعزل عن موافقة الطرف الآخر، بتنا أمام حتمية التوصل إلى خيار ثالث يؤمّن الحدّ المقبول من المواصفات المطلوبة لاستعادة الدولة اللبنانية لسيادتها وقرارها، وقيادة المرحلة المقبلة تحت عنوان الإصلاح والاستقامة والشفافية في مختلف مؤسسات الدولة”.
على ضوء ذلك، يشدد المصدر عينه، على أن “الأيام المقبلة ستكشف عن أن الممانعة ليس أمامها سوى التراجع عن منطق التحدي والاستكبار والفرض، بعد ثبوت عجزها عن إيصال مرشحها. حتى أن بعض نواب الممانعة برّروا الدعوة إلى الحوار ـ المناورة حول الاستحقاق الرئاسي بعجز أي فريق عن إيصال مرشحه. بالتالي، المطروح حالياً خيار رئاسي جديد، أو ما اصطلح على تسميته بالخيار الثالث، والمسعى الذي تقوده قطر حالياً يندرج تحت هذا العنوان. أما في حال فشل المسعى القطري، فقدرة البلد على التحمّل شارفت أقصاها، والأمور لا يمكن أن تستمر على مزاج الممانعة، وسنتجه حُكماً إلى وضع جديد”.
