
فجأة يأتيك ضوء ما من حيث لا تدري، ليذكّرك أن لبنان بالأساس هو وطن الثقافة والفنون، وطن جبران خليل جبران وأمين الريحاني ومخايل نعيمة وسواهم كثر، وطن الأخوين رحباني ووديع الصافي وفيروز وصباح ووليد غلمية وزكي ناصيف وسواهم، وطن الأرز العالي الشامخ فوق ذاك العز اللامتناهي، الضارب في تاريخ الأوطان، والأديب أمين معلوف هو من ذكّرنا بحالنا الأصيلة تلك، ذاك الكاتب اللبناني الحائز على جائزة غونكور عن روايته الشهيرة “صخرة طانيوس”، ابن الاكاديمية الفرنسية العريقة، الذي نال منذ أيام منصب أمينها العام الدائم، بغالبية 24 صوتاً في مقابل خمسة أصوات لمنافسه وصديقه الكاتب الفرنسي جان كريستوف روفان.
اختارت فرنسا الأفضل ليكون أميناً عاماً لأعرق صرح ثقافي فرنسي هادف للحفاظ على اللغة وعلى الادب الفرنسي العريق.
صار اللبناني ابن البلد أميناً عاماً للأكاديمية الفرنسية، اختاروه ليس لأنه وسيم، وليس لأنه دفع مسبقاً ثمن ذاك المنصب، وليس لأنه صديق السلطة أو ما شابه، هناك لا اعتبارات للعلاقات الشخصية، ولا فساد في الثقافة والفنون كما هنا، اختاروه لأنه الأفضل، لأنه يمثل تلك اللغة العريقة كأفضل ما يكون، لأنه مثقف متواضع، لأنه كاتب مبدع. اختاروا اللبناني الأصل من دون أن يُسقطوا عنه هويته الأصلية. اللبناني الفرنسي أمين معلوف، هكذا كتبوا عنه.
اللبناني الفرنسي العالمي ذاك، هو من رفع هويته اللبنانية لتبقى تسبقه في كل ما يكتب ويفعل، ومن يقرأ “صخرة طانيوس” تحديداً، يعرف أن الرجل يسكن جذوره اللبنانية الأصيلة، وأن جذوره تلك الطالعة من صميم جبال لبنان، لا تتركه ولن تفعل.
في غمرة هذا التقهقر اللبناني المريع المدوي المخيف، وذاك الظلام الدامس النابع من قلب الاحتلالات التي تغرق لبنان في قعر الأوطان، يأتيك أمين معلوف ليضرب على الجرح تماماً، جرح نزف الابداع اللبناني في الاتجاهات كافة، في السياسة والانسان وكيان الوطن بأسره. يأتيك أمين معلوف ليضرب بإنسانية الثقافية كل المتخلفين الذين يحتلون ويسيطرون على لبنان، يضرب فينا ذاك الوتر الذي انطمر عمداً في غمرة أوساخ السياسة والتراجع الفكري والإنساني والأخلاقي عموماً. ذكّرنا الأديب الكبير أن لبنان لا يموت حتى لو قتلوه في عقر داره، فالفكر أقوى من أي سلاح، والقلم أقوى من أي ترسانة، والقلب القوي الحامل تراث أرض وأرز ووطن، هو الترسانة الأخلاقية والإنسانية الوحيدة التي ستبقى وتعيش وتهزم كل شياطين الأرض تلك.
نفتخر بذاك الرجل كثيراً، لكنه فخر مشوب بالحزن والغضب والقرف. كيف يمكن لوطن أن ينجب مبدعين من طراز أمين معلوف ومن سبقه، وفي وقت واحد ينجب هذا الكم من “المتفننين” بالإرهاب والدمار والقتل؟! كيف يعيش معاً وبآن واحد، أحرار شرفاء ومبدعون، وهمجيون محتلون بدائيون فاسدون، جعلوا من لبنان منصة التخلّف والموت غير المعلن؟!
شكراً أمين معلوف لأنك ذكّرتنا أننا ما زلنا في مكان ما بخير، وأن أصولنا الثقافية والإبداعية لا تموت، وأننا ما زلنا ننتمي الى العالم الحر المتحضّر، وأن لبنان ليس فقط نازحون محتلون، وحزب إرهابي، وسياسيون فاسدون، وجمهورية ضعيفة مرتهنة، وأن بعد هناك خير في هذه الأرض القاحلة.
شكراً أمين معلوف لأنك ذكّرت العالم، أن للبنان خارطة ثقافية عريقة تاريخية لا تُمّحى مهما فعل أولئك الصغار، ومها حاولوا التطاول على أرض الأرز والرب والمبدعين، ستبقى هويتنا الثقافية الأصلية هي المنتصرة. شكراً يا رجل مبدع من أرض لبنان.
