
كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1745
في العادة ينهمك أيلول في تحضيرات بداية العامين الدراسي والجامعي، وينشغل المعلمون والأساتذة في ورشة التحضيرات تلك. لكن في بداية العام الحالي لم يكن الطاقم التعليمي منهمكاً في إدارات المدارس وصفوفها بقدر انهماكه بالتجمّعات الاحتجاجية والاعتصامات المطلبية للضغط على المعنيين للحصول على بعض الحقوق بما يمكّنهم من متابعة عملية التدريس. الأهل بدورهم منهمكون بألف همّ وهمّ قبل الوصول إلى ألف باء المدرسة. أما المدارس وخصوصًا الرسمية منها فتتقلّب بين همّين: إعطاء الأساتذة بعض المطالب ما يؤمّن بالحد الأدنى عامًا دراسيًّا مقبولاً، ومسألة تعليم أبناء النازحين السوريين والشروط الدولية التي ترتفع وتيرتها فيما فاتورة الدعم الأممية غير كافية، أو في أحسن الأحوال أقل مما تتلقاه كل من تركيا والأردن.
الإثنين 18 أيلول الحالي نظّمت لجنة التربية النيابية وبالتعاون مع وزارة التربية ندوة عن واقع القطاع التربوي، حذر خلالها وزير التربية عباس الحلبي من أن التعليم الرسمي “في دائرة الخطر”. وكشف عن أن عدد التلاميذ السوريين في المدارس الرسمية ارتفع إلى مئتي ألف، ما يستدعي فتح مدارس جديدة لاستيعابهم، أي الحاجة إلى مزيد من الأموال”.
قد يكون هذا المختصر وغيره الوارد في أحاديث المتكلّمين في الندوة التي عُقِدت في المجلس النيابي، مؤشرًا كبيرًا وذاخرًا بالدلالات عما هو عليه الوضع التربوي في لبنان وما سيكون عليه العام الدراسي المنطلق حديثًا. وما لم يلحظه المتكلّمون داخل المجلس كان صارخ التعبير خارجه مع الاعتصام الذي نفذه الأساتذة المتعاقدون في التعليم الأساسي، أمام المجلس تزامنًا مع انعقاد جلسة لجنة التربية النيابية. وكان من مطالب الأساتذة، التي وصفوها بأنها “ليست تعجيزية”، الحصول على “600 دولار، وأن على الحكومة تأمينها لأن مبلغ 300 دولار لا يكفي، وأن يكون بدل النقل لأربعة أيام”… وهل أبلغ من أن يكون الأساتذة مع بداية العام الدراسي متجمّعين في ساحة مجلس النواب بدل اجتماعهم في قاعات المدارس وإداراتها، فيما المجلس نفسه غائب عن ساحته ودوره الذي منه تنطلق عجلة بناء المؤسسات ومعها تتوالى الحلول وتنتعش القطاعات؟!
المكتب الإعلامي في وزارة التربية كان أعلن أن الوزير الحلبي وقّع مستحقات جميع المتعاقدين في المناطق التربوية كافة، وأحالها إلى وزارة المالية تمهيدًا لتحويلها إلى حسابات المستفيدين. وقال الوزير الحلبي إنه “حدد مع روابط الأساتذة تاريخ بدء العام الدراسي في 9/10/2023 على أن يصدر عن الوزير قبل هذا التاريخ قرار يحدد آلية دفع بدلات الإنتاجية وقيمتها وتواريخ دفعها ومعايير حسابها”.
ويشير مصدر مسؤول في وزارة التربية لـ”المسيرة” إلى “أن رصيد السلفة البالغ حوالى خمسة عشر ألف مليار ليرة حوِّلت منه الدفعة الأولى للأساتذة، وتمَّ الاتفاق على أن تُدفَع الثانية وهي بقيمة خمسة آلاف مليار في الفصل الثاني، والدفعة الأخيرة بقيمة مماثلة في الفصل الثالث”. ويلفت إلى أن الأساتذة كانوا قرروا عدم البدء بتسجيل التلاميذ قبل التأكد من الحصول على مستحقاتهم كاملة، لكنهم لم ينفذوا قرارهم واستمر التسجيل كالمعتاد.
القوات حاضرة تربويًّا
يقول رئيس مصلحة الأساتذة الجامعيين في حزب “القوات اللبنانية” الدكتور زياد حرّو “وإن كان العام الجامعي ليس في أحسن الأحوال للأسباب المعروفة لكنه سيكون مقبولًا قياسًا للظروف والإمكانيات. كذلك فالجامعة اللبنانية يُنتظَر أن يكون وضعها مقبولًا، خصوصاً أن هناك شبه قرار بعدم الإضراب”. ويضيف: “طبعًا هناك مشاكل أخرى قد تؤثر على مسار التدريس مثل انقطاع الكهرباء والإنترنت أو النقص في المازوت وما إلى ذلك. ولكن على الرغم من هذه المعوقات وغيرها لا خطر على العام الجامعي. وهنا لا بد من ملاحظة أن رفع أقساط الجامعات الخاصة واستيفاءها بالدولار يجب أن يلحظ أجور الأساتذة الجامعيين التي ما زالت متدنية جدًا”.
ويلفت إلى أنه “وسط هذه المرحلة الصعبة فإن حزب “القوات اللبنانية” يقف إلى جانب أهله وأبنائه، وهو يقدّم مساعدات للطلاب بما تيسّر من إمكانيات. ومن فترة غير بعيدة تم تقديم منح كجزء من القسط. ويتم التواصل مع الجامعات لمراعاة غير القادرين على تسديد القسط ومساعدتهم سواء بالتخفيض أو بجدولة الدفعات لفترات أطول. ومنذ فترة زار وفد قوامه النواب في تكتل “الجمهورية القوية” جورج عقيص وغادة أيوب وأنطوان حبشي وأنا وعبدو عماد كونه رئيس مصلحة الطلاب، عدداً من الجامعات الخاصة للبحث في مواضيع الأقساط والتسهيلات المادية وغير المادية حتى لا يضطر طالب إلى عدم متابعة تعليمه بسبب العجز عن دفع القسط”.
وفي حين شدد على أن جامعات المنطقة تتقدّم في شكل ملحوظ وثابت، اعتبر أن “القطاع يتعافى ولو ببطء، ولكن عندما تعبر الأزمة فالعودة إلى السكة ستكون سهلة لأن النوعية والخبرات موجودة. وحالما يستتب الوضع السياسي ويتحسن الوضع الإقتصادي فالوضع الأكاديمي يعود إلى النهوض بسرعة أكبر مما يتصوّر البعض”.
من جهته رئيس مصلحة المعلمين في “القوات” ربيع الفرنجي حذر من أن “التعليم الرسمي قد يواجه صعوبات سواء بانطلاق العام الدراسي أو خلاله، والسبب متصل مباشرة بتمويل التعليم. فالحاجة للعام الدراسي 2023 – 2024 هي 150 مليون دولار والهيئات المانحة لا تقدم للأساتذة مبالغ مادية إنما مساعدات عينية”.
ورأى أن “العام الدراسي الحالي يكون عامًا دراسيًا طبيعيًا إذا لم تكن هناك من أسباب أخرى أمنية أو غيرها لتعطيله. فصحيح أن الأقساط باتت مدولرة لكن قيمتها في العام الدراسي الحالي لا تتعدى الـ30 في المئة مما كانت عليه في الأعوام 2018 و2019، وهي نسبة مقبولة في حين كل البلد بات مدولرًا». ولفت إلى أن “المدارس الخاصة تتلقى مساعدات من جهات خارجية وداخلية ومن قدامى المتخرّجين، ولذلك فمن لديه صعوبات من الأهالي عليه التواصل مع إدارات المدارس لتسوية ما أمكن من هذه الصعوبات”.
أما لناحية قدرة الجهات غير الحكومية والحزبية ومنها “القوات اللبنانية” على المساعدة، فقال “إن لا أحد يمكنه أن يحل مكان الدولة وسلطاتها وإمكانياتها. ولكن على الرغم من ذلك فقد بادرت “القوات اللبنانية” إلى مساعدة العديد من التلامذة وكذلك الأساتذة في القطاعين الرسمي والخاص قدر الإمكان»، كاشفًا أن “القوات تعمل على دراسة كيفية تطوير نظامنا التربوي ليصبح منتجًا أكثر ومواكبًا للعصر وقادرًا على خدمة البلد لسنوات”.
الأزمات تصنع المعجزات
لا تقتصر هموم العام الدراسي والقطاع التربوي على المدرسة والقسط وأجور المعلمين، بل ثمّة أمور أكثر جوهرية وقد تضرب البنية المجتمعية برمّتها مثل دمج الطلاب السوريين مع الطلاب اللبنانيين. فبعدما تم توزيع صورة قرار لوزارة التربية اعتبره المتابعون يشرّع دمج الطلاب النازحين باللبنانيين عبر تدريب أساتذة مواد التربية والاجتماع حول تعزيز التعددية من قبل جمعية Hardwired global التي دورها كيفية إدارة ملف النزوح، أوضحت وزارة التربية في بيان “أن هذا الخبر غير دقيق لأن المشروع لا علاقة له مطلقا بموضوع إدماج السوريين باللبنانيين، إنما استعمال مفهوم الإدماج يعني إدماج التلامذة اللبنانيين بغض النظر عن اختلافاتهم إن لجهة الاحتياجات التربوية أو تنوّع العادات والتقاليد. وأن مفهوم التعددية في المشروع مع الوزارة، يأتي من مبدأ احترام التنوّع الطائفي والديني والعرقي في بلد يرتكز على الحوار والتلاقي ونشر ثقافة احترام الرأي الآخر بين المتعلمين”.
كذلك لم تقتصر الصعوبات على طلاب الداخل، بل إن الطلاب الذين يتلقون تعليمهم في الخارج تستمر بوجههم مسألة تحويل أهاليهم المبالغ المالية التي يحتاجونها. ويستمر قلق الطلاب والتلامذة بالتوازي مع قلق المعلمين والأساتذة والأهل واضطراب المدارس. ومهما قيل عن أهمية الرصيد الثقافي والتربوي اللبناني، فإن الأزمات صنعت المعجزات وبات ثابتًا ألا قطاع يسير ويحقق النجاح إذا كانت السياسة معتلّة والاقتصاد مختلّا، وثمّة من يتحكم بالدولة غير مؤسساتها الموكلة إليها حصرًا هذه المهمة!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
