
يخبرون أن ما يسمّى “بالنازحين” السوريين في الأردن وتركيا تحديداً، هم غير تماماً عن “النازحين” في لبنان! هناك، لا يجرؤ نازح على الخروج من خيمته ما لم يسجّل ساعة الخروج والدخول والوجهة التي يتوجّه اليها والغاية منها. هناك ممنوع على النازح أخذ فرص العمل من أبناء البلد، وممنوع أن يؤسس له عملاً خاصاً ويستملك الأراضي. هناك عيون الدولة لا تنام، ولا نازح يتجرأ على التحرك من خارج إطار القوانين، وإذا فعل فالعقاب كبير، لذلك لا يفعلون ولا يخالفون ولا يجتاحون، وهم فعلاً نازحون، ونيّال من كانت دولته دولة القانون.
في لبنان هل هم فعلا نازحون؟ لاجئون خائفون من النظام السوري كما يدّعون، أم لعلّهم “محتلّون جدد”، بحسب ما يصفهم اللبنانيّون الخائفون على لبنان الكيان، من تلك التسونامي التي تجتاح أرضنا، من دون رادع ولا حسيب ولا رقيب. لا كلام هنا في العنصرية، إنما في الخوف الفعلي على مصير الأرض وناسها، ولبنان منذ عشرات السنين، لم يتجرّع الا كؤوس الموت والاعتقال والدمار والاحتلال، من تلك الجارة التي لا طمع لديها الا بلبنان وخيراته.
تغطّ الدولة اللبنانية في نومها العميق، ترى ولا ترى، تسمع وتبقى صمّاء، ضميرها نائم ووطنيتها غارقة في اللامبالاة حتى الثمالة. دولة متهالكة على حالها، متعامية عن المصائب التي تحيط بلبنان، وتشكّل خطراً وجودياً حقيقياً عليه، وخصوصاً النزوح…لا، ما عاد اسمه كذلك، بل الوجود السوري المروِع في لبنان، إذ ما عاد بالإمكان توصيف تدفّق السوريين الى لبنان بالنزوح. وهل النزوح أن يغرق البلد يومياً بعشرات المئات المتدفقين غير الشرعيين، عبر الحدود الفالتة من أي رقابة، ليغرقوا لبنان بفوضى لا مثيل لها، وهي تبدو بوضوح أنها فوضى متعمدة لاجتياح لبنان حتى الطوفان، تمهيداً ربما لما هو أخطر بكثير، لا سيما أن غالبية المتدفقين السوريين هم من فئة الشباب، وفي ظل أجواء سياسية واضحة المعالم من قِبل جماعة الممانعة، وتحديداً “الحزب”، الداعم لنظام بشار الأسد ولهذا التدفق الخطير الذي ينفي فرضية الهروب من ظلم النظام وما شابه، بل أهدافه سياسية أولاً وآخراً، واقتصادية بالمرتبة الثانية، إذ يتلقى هؤلاء مبالغ يومية وبالدولارات من مفوضية اللاجئين سواء عملوا أم لا.
وهنا سؤال، ما هو تحديداً دور مفوضية اللاجئين في لبنان؟ هل هي مكتب لتوطين السوريين هنا بدل أن تكون مكتباً لمساعدة الدولة المضيفة لهؤلاء؟! اللافت أن المفوضية إياها، أعلنت منذ أيام أن لا مخطط لعودة السوريين الى بلادهم على المدى القريب، ما أثار غضب اللبنانيين جميعاً، في ظل تدهور أمني متنقل في مناطق متعددة بين اللبنانيين والسوريين، وصلت أحياناً الى درجة التشابك الجسدي المباشر، في حين تشهد غالبية قرى لبنان حال غضب وغليان من تدفق هؤلاء وتغلغلهم غير المنتظم بين البيوت، وغياب رقابة البلديات عن هذا التوزيع العشوائي المخيف. وبحسب ما كشفته دوريات الجيش في الآونة الأخيرة في عدد من المناطق، تبين أن عدداً كبيراً من هؤلاء مسلحون ويخبئون الأسلحة إما في الخيم، أو في البيوت التي يستأجرونها في المناطق السكنية. والسؤال، لماذا تتسلحون يا “إخوان”؟ والى من ستوجهون فوهات تلك الرشاشات؟ وهل “النازح” يملك أصلاً ما يكفي من أموال ليشتري الأسلحة والذخائر بدل الطعام والأدوية؟!
“لبنان ليس بلد لجوء”، قال رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان، الذي أبدى استياء كبيراً من أداء مفوضية اللاجئين في لبنان. “نحن بلد حر لديه سيادته، وكل دول العالم لديها سيادة ونحن نحترمها، وعليها بدورها أن تحترم سيادة لبنان، وأول من يجب أن يحترم السيادة اللبنانية هي مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لأنها حتى اليوم بكل ممارستها لم تحترم هذه السيادة” يقول عدوان.
“هذا الوجود السوري الفوضوي، والذي يجنح الى التلاعب بالأمن في لبنان، يؤذي اللبنانيين كافة، وسيأتي الوقت وسيجد هذا السوري أن كل اللبنانيين سيكونون صفاً واحداً في مواجهته الى جانب القوى الأمنية” يقول غياث يزبك، النائب في تكتل “الجمهورية القوية”.
تطلق “القوات اللبنانية” صرخة مدوية في هذا المجال، وتعلن عن إعدادها لخطط كبيرة عملية على الأرض، للحد من الوجود السوري في لبنان، وبالتالي لوضع حد لمخالفات مفوضية اللاجئين الفاقعة. “خطتنا شاملة ولا تقتصر على توقيع عريضة، بل تتضمن تحريك الحكومة لإلزامها على القيام بواجباتها تجاه هذا الملف الخطير، أي الاجتياح السوري المتجدد للأراضي اللبنانية، أما بخصوص المفوضية، فعندما تنحرف مؤسسة أممية عن مسارها الأساسي، أي التخفيف من أعباء النازحين من جهة، والتخفيف عن آلام الدول المضيفة وخصوصاً في ظل تلكؤ الحكومة، فمن الضروري أن نتحرك بالاتجاهات كافة لحماية وطننا، ولم نعد نملك سوى خيار توقيع العريضة”، يقول يزبك الذي يتحدث عن خطوات أوسع بكثير بعد من توقيع تلك العريضة الهادفة لإلقاء الضوء على أداء المفوضية.
“موقفنا تصاعدي وليس تصعيدي وينم عن إصرار القوات على إنهاء هذا الملف بما يحفظ حياة النازحين، وفي الوقت ذاته، مصلحة لبنان وشعبه، التي بلغت أسوأ الدركات من النواحي كافة. موقفنا تجاه المفوضية العليا للاجئين هو موقف تحذيري، ونتمنى أن تكون الرسالة الجدية جداً، وصلت الى إدارة هذه المفوضية، كي تبدأ بتغيير سياستها، وأن تصوِب المسار بما يخدم سبب وجودها أساساً في لبنان، وما لم تتجاوب تجاه مطلبنا الوطني الشامل وليس مطلباً فئوياً، سنتقدم بعريضة مدروسة من قبل تكتلنا، بالتداول مع شركائنا السياديين في البرلمان وخارجه، نطالب فيها بوقف عمل هذه المفوضية بلبنان. نحن نعمل لأجل وطننا من دون الإساءة لعلاقاتنا مع الأمم المتحدة، وحقنا أن ندافع عن كيان بلادنا وسيادتها” يقول يزبك.
الغريب يجب أن يكون أديباً، والنازحون السوريون في لبنان، تجاوزوا كل الحدود، والسبب هو ذاك المثل الشعبي الذي لا يخيب “عنترت وما حدن ردني”…
