
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1745
الحصروني قبل ساعات على اغتياله
“خلّي راسك دايما مرفوع يا إبني”.. وصار شهيداً!
لمّا مر أربعون يوماً على اغتيال الشهيد الياس الحصروني، رفض رفاقه أن تعبر المناسبة المؤلمة بصمت، من دون ضجيج الوفاء لمناضل منح حياته كلها وبتفاصيلها كافة، لـ”القوات اللبنانية”، منذ أول أيام صباه حتى لحظة اغتياله السوداء ليل 2 آب الماضي. لحظة رهيبة مضرّجة بدم الشهادة وبالحقد والكراهية لكل ما كان يمثله ابن ضيعة عين إبل، من حب لتراب بلدته، وتفان في خدمة البلدة والجيران.
دائماً موت الأبطال يأتي مدوّياً. الحاقدون ومحتلو تلك الساحات في جنوب لبنان، أبّوا إلا أن يكون موت المناضل على أياديهم، فنصبوا له كميناً وتصدّوا له بسياراتهم، وصبّوا عليه كل إجرامهم، فصار الياس الحصروني ابن عين إبل الجنوبية شهيداً، وبقيوا هم على قيد الحياة لكنهم أحياء أموات بالذلّ والعار والإرهاب.
ظنوا أن الجريمة سيبتلعها الظلام، وأن الله لا يراهم، وبأنها ستعبر تحت ستارة “حادث سير” وقضاء وقدر، لكن عين الله مفتوحة دائمًا. رآهم كما آخرون. وكان هناك من يصوّر ويدوّن التفاصيل عبر فيديو يملكه أحد شبان المنطقة. عمليا ليست صدفة، بل مشيئة الرب لتُكشف الحقيقة، وكي لا تموت مع الشهيد المغدور.
الفيديو المصوّر أنقذ الحقيقة من موتها المحتم، وتحوّلت بلدة عين إبل والجوار، على أثر الجريمة المروّعة، الى خلية غضب وحزن كاد للحظة أن يتفجّر ثورة لا تُعرف ارتداداتها، لولا حكمة أهالي البلدة وفاعلياتها، الذين لجأوا الى القضاء لكشف ملابسات الجريمة. فهم أبناء القانون ودعاة قيامة الدولة، وليسوا أتباع منطق العشائر والقبائل والميليشيات المسيطرة في المكان، والأخذ بالثأر وما شابه، فابتلعوا جرحهم العميق لمقتل الحنتوش، لقبه منذ أيام الحرب، وها هم في انتظار انتهاء التحقيقات.
في أربعين الياس الحصروني، أصرّ رفاقه على إضاءة شعلة الوفاء له، للإعلان للعالم كله، أن أهل البلدة ورفاق الشهيد لن يسكتوا عما حصل، فنظموا لأجله وبالتضامن مع عدد من المناطق والمراكز القواتية، وقفات احتجاجية، ورفعوا الشموع والصلوات، ووعدوا رفيقهم الوفي الشجاع بأن دماءه لن تذهب هدرًا كما يظن المجرمون القتلة، وأنهم سيلاحقون قضية اغتياله في القضاء يومًا بيوم الى حين تحقيق العدالة، لكن العدالة التي تأتي دائمًا متأخرة في لبنان لا تبلسم جراح العائلة المصدومة.
لا تريد زوجة الشهيد السيدة إيفيت الدخول في تفاصيل الجريمة، الدمع ما زال طازجاً ولم ولن يجفّ، فاغتيال زوجها جاء بمثابة الصاعقة التي ضربت البيت وعموده الأساسي، وأيضاً على البلدة بأسرها. هي لا تعلم لماذا اغتالوه، ولا تستوعب كيف يُغتال رجل بهذا الاندفاع لخدمة أهله وناسه وكل محيطه “شو بعد بدي إحكي، حكينا كتير وخلص الحكي. ما بعرف ليش اغتالوه، نحنا لـ عم نسأل ليش، ليس على علمي ان لديه أعداء، لكن أملي بالله كبير لتحقيق العدالة للياس، والعائلة تلاحق القضية مع المحامية”، تقول بحرقة كبيرة وتغرق في صمتها.
“بييّ إنسان مؤمن بيحب ضيعتو ووطنو، ووقت يكون الإنسان هالقد متعلّق بأرضو لا يعود يخاف على حياته مهما حاصرته الصعاب. في كل المحن التي مرت على الوطن ولا تزال، كان أبي موجوداً عند متاريس الشرف يدافع عن وجودنا الحر مع رفاقه الأبطال، ومع الوقت أصبح أبي سندًا لضيعته في كل المحن التي عبر فيها الوطن والمنطقة، لذلك لم يكن لديه أعداء لأنه كان يساعد الجميع من دون أي تفرقة”، يقول بغصة كبيرة إبنه شربل، الذي تعرّض والعائلة لصدمة حياتهم حين عرفوا باغتياله.
ويضيف: “بيتنا في الجنوب يتربّع على تلة مواجهة للحدود، وفي حرب تموز رفض أبي أن يغادر القرية، وكان الخطر يحدق بنا من كل الاتجاهات، رفض الرحيل كي لا يحتل أحدٌ منزلنا، وكان يمضي نهاره بتفقد أهل الضيعة ويساعدهم في تأمين الدواء والحاجات اليومية. كثر غادروا منازلهم ونزحوا باتجاه مناطق آمنة، وكانوا يطلبون من أبي تأمين الحراسة لمنازلهم. وأكثر من ذلك، كانوا يطلبون منه أن يخبّئ لهم الممتلكات ذات القيمة المادية، وكان يساعدهم ويضعهم على السكة الصحيحة، بحيث كان يطلب الإذن بأخذ المؤن الموجودة عندهم ليُطعم بها من هم بحاجة، خصوصا لمن نزحوا ولا يملكون لا المال ولا الطعام، وكانوا يرحّبون بكل طلباته لثقتهم الكبيرة به”.
لم يكن الياس الحصروني مناضلاً عادياً، كان عاشقاً لعين إبل، ومصرّاً على الصمود فيها، وقد نقل هذه العدوى الى أبناء المنطقة. وقد قرر البقاء على رغم سطوة الحزب وأزلامه على المنطقة. أنشأ عملاً خاصًا له وزرع أرضًا، وكان منسقاً لمنطقة بنت جبيل لسنوات طويلة، وحوّل المنصب الى رسالة وطنية إنسانية شاملة للكل. ساعد الجميع، وصار مرجعًا للغالبية، شجاع شهم نبيل الإنسانية كريم، الكل يعرف من هو الياس الحصروني وكيف يعمل، والكل يقصده من الطوائف كافة لطلب المساعدة. باختصار صار الياس الحصروني مرجعية المنطقة، ولم ينكر يومًا أنه وبفخر العالم كله ينتمي الى “القوات اللبنانية”، ومن هذا الانتماء استمد كل القوة ليساعد الناس. مضت الأيام وهو على هذه الحال الى حين جاء الاغتيال الرهيب، الذي أراد منه المجرمون، أن يبعثوا برسالة الدم بأن ساعة نشاء نصطادكم فردًا فردًا، علّنا نخاف ونستسلم ونصبح عبيدًا، كما كل هؤلاء الممانعين المفترضين في بلاط المحتل، وكم أخطأ المجرمون في حساباتهم!
“من لحظة معرفتنا بموت أبي، لم نقتنع أبدًا بأنه مات بحادث سير، خصوصاً أن أبي لا يذهب عند التاسعة ليلاً الى مناطق معزولة حيث اغتيل. تقرير الطبيب الشرعي أكد على وجود كسور في الأضلع نتيجة اصطدامه بأكياس الهواء في السيارة، لكن تبيّن أن هذا لا يحطم الأضلاع. وحين صوّر أحد شبان البلدة الفيديو وعرف به الشباب جن جنونهم، طلبت المرجعيات في الضيعة منه ألا يبوح بما اكتشف الى ما بعد الدفن لأن النفوس كانت جد مشحونة، ومن بعدها أطلعوني على الفيديو، فتقدمت فورًا بدعوى وطلبت بتشريح الجثة، وبدأت التحقيقات، والجهات القضائية طمأنتنا أن كل شيء يسير في إطاره القانوني الصحيح. لكن تعرفين من يسيطر أمنيًا على المنطقة، وحتى اللحظة وبما أنه لم تصلنا بعد أي معلومة أو تحرك أو استدعاءات أو توقيفات، فالجواب عن مرتكب هذه الجريمة واضح جدًا”، يقول بأسف شديد شربل الذي أقسم على روح أبيه أنه وكل العائلة لن يرتاحوا قبل كشف المجرم وتحقيق العدالة للشهيد.
هل في لبنان بعد عدالة يا شربل؟ هل ستنسحب “عدالة” تفجير المرفأ، على اغتيال الحصروني؟ “إنتو بتقولوا ما بتعرفوا بس نحنا منعرف كتير منيح مين قتل رفيقنا الياس الحصروني”، قال الحكيم للقتلة المجهولين وهم معروفون. لكن ماذا يقول إبن الشهيد الذي لم يتصوّر يومًا أنه سيحمل هذه الصفة المبللة بالحزن والفخر في آن؟
“بقول لبييّ، بتذكر بـ2 آب الماضي عند الصبح كنت ماشي صوبك وحاطط راسي بالتلفون، ولما وصلت إليك قلتّ لي “ليش موطّي راسك يا إبني، إمشي وراسك مرفوع دايماً”، بحب قلّك يا بيي، إن رؤوسنا كلها مرفوعة بك، وكلما مررت أمام شخص أم النور أشعر بوجودك اللصيق قربي. أنت موجود بكل تفاصيل الضيعة وفي كل ساحاتها وزواريبها، بصماتك واضحة على وجه الضيعة، بصمات الحب والتضحية والعمل لأجل الكل، في كل مكان لك بصمات، نشعر بحضورك القوي، والبارحة في عيد الصليب رأيتك موجودًا وأنت ترفع مع الشباب الصليب على التلة. بحبك كتير ورح تضل موجود معي للعمر كلو، وموجود بقلب كل شخص منا بهالضيعة”، يقول شربل بتأثر كبير.
هل سمعت إبنك يا حصروني يا شجاع القضية والقلب؟…
بنت جبيل
أحيت منطقة بنت جبيل في “القوّات اللبنانية” قداس الأربعين للقيادي الشهيد إلياس الحصروني في كنيسة السيّدة ـ عين إبل. ترأس الذبيحة الإلهية الأب حنا سليمان يعاونه لفيف من الكهنة. بعد الإنجيل المقدّس ألقى الأب سليمان عظة جاء فيها: “رفيقنا الياس الذي كان من بين المؤمنين والمتواضعين أمام الله، هو الإنسان الشجاع المعطاء الذي استمدّهم من إيمانه بالمسيح، ببلدته، وبالوطن”. وسأل: “ما سبب قتل الحصروني، ولماذا هذا الغدر”، مجيبًا بأقوال المسيح: “ستُضطهدون من أجل إسمي”، مشيرًا الى “أن كل مسيحي هو مشروع شهادة وموت، لكننا نُدرك أن بعد الموت القيامة”.
وأردف: “لا يعتقدوا أنه بموت الحنتوش، والغدر به، تكون عين إبل قد انتهت، تماماً لا، لأن درب الشهداء هو زرع الإيمان، وعند كل اغتيال شهيد بأي بقعة من الوطن يتماسك الشعب مع بعضه أكثر وأكثر”. وأضاف: “كما بحرب 2006 ذهبنا وعدنا، نقول لكل معتدٍ: “سنتجذّر بأرضنا حتى الرمق الأخير”.
وختم الأب سليمان: “لا القتل ولا التهجير يُرهبوننا، بل فقدان الإيمان، لأن مع فقدان الإيمان، نفقد المحبة والرجاء، وعلى هذه المبادئ عاش الحنتوش في وطنه ومع عائلته ومجتمعه”.
بعد القداس أقيم حفل تأبيني في صالون الكنيسة، وألقى النائب جورج عقيص ممثلاً رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع كلمة جاء فيها: “استشهد الحنتوش لأنه أبى أن يعيش مواطن درجة ثانية، بل استشهد بمرتبة الشرف، لأنه كان مؤمنًا بسيادة وطنه حتى رمقه الأخير”. واعتبر أن “أربعين إلياس الحصروني ليس مناسبة عابرة بتاريخ حزب “القوات اللبنانية”، بل هو محطّة للعبرة، لتجديد الالتزام بالقضية، لإعلان استمرارية مقاومتنا حتى نهاية النفق، حتى العبور إلى الدولة، حتى بزوغ فجر الجمهوريّة القويّة”.
وأكّد أن عملية اغتيال الحصروني هي رسالة جبانة من أشخاص جبناء، انتصر عليهم الحنتوش مرّة وهو حي، ومرّة بتلاحم أبناء منطقته ووحدة موقفهم حول استشهاده. ولفت إلى أنه بعد 40 يوماً لا جديد في التحقيقات سأل: “إذا اعتبروا أن سبب اغتيال الحنتوش شخصي، لماذا لم تظهر التحقيقات الفعلية؟ وكيف أن تنظيم عسكري عنوانه “حزب الله” يسيطر على المنطقة على غير علم بعملية الاغتيال ودقتها وسرعتها وعدد الفاعلين؟”. وتابع: “أما إذا كان اغتيال الحنتوش وطني، كما نقول، فيتوجّب على الدولة أن تتحمّل مسؤوليتها وتؤمّن الحماية لمواطنيها”، لافتًا الى أن تقصيرها واضح جداً”.
وطالب “المسؤولين القضائيين والأمنيين الذين يؤجّلون التحقيق، بالتحرّك وإلّا أن يستقيلوا، لأننا لن نقبل بدفع رواتبهم من جيوبنا وهم يمتنعون عن تأدية واجبهم». كما طالب بعدم استعمال عبارة “مسيحيي الأطراف”، لأن لا وجود لهذه العبارة، بل اعتبر أنه “حيث يكون وجود مواطنين مناضلين، يكون قلب الوطن وعمقه”.
وللحصروني قال عقيض: “لو مهما قلنا سيظل قليلاً أمام أعمالك. فمع استشهادك فجّرت فينا التعلّق بهذه الأرض، واليوم، وأكثر من أي وقتٍ مضى، كسرت فينا حاجز الخوف والترقّب، ونعدك أن نبقى على موقفنا مع كل شروق شمس فوق عين إبل”.
كما ألقى مُنسّق بنت جبيل في “القوات اللبنانية” جوزف سليمان كلمة سأل فيها: لماذا قتلوا الحنتوش؟ مُجيباً: “الجواب عندنا، والبعض يستغرب، الحنتوش كان مقاوماً عنيداً صلباً ورمزاً للعنفوان”. وتابع: “نعم يا رفاقي، الحنتوش استشهد بكل عزة وعنفوان، ولم يتنازل عن مواقفه وكأنه على علم أن الثمن غالٍ، ولم يتراجع يوماً. نضال الحنتوش الذي عشنا وتربينا عليه هو نضال كل مقاوم شريف مستعد للتضحية، ولهذا السبب انتمى لحزب “القوات اللبنانية”، حزب الشرف والشهامة الذي شهد على مسيرته الطويلة بالنضال والصمود”. وأضاف: “إننا جميعاً مستعدّون للشهادة من دون أن نحني رأسنا إلا على أقدام الصليب، مستعدون للشهادة ليبقى وطننا حرًا ومستقلاً يحفظ كرامتنا”.
وختم سليمان: “لا نخاف من أحد ولا نعتدي على أحد، لكننا لا نقبل أن نعيش أهل ذمّة بوطن قدمنا آلاف الشهداء من أجله”.
وكان قد استهل الكلام شقيق الحنتوش مارون الحصروني الذي لفت الى أنه “من المستحيل أن نصدّق أن الحنتوش رحل من بيننا بهذه الطريقة”، معتبرًا أن “الذين قتلوه خافوا عنفوانه وغدروه بأربع سيارات متناسين أن روح الحنتوش لا زالت ترفرف فوق الساحات وفي ذاكرة الشباب وفي وجدان الآباء والأمهات”.
من جهته رئيس بلدية عين إبل عماد اللوس أكد أن الحنتوش لا يموت، وحتى لو اقتادوه ليلًا وقطعوا أنفاسه، وكسروا ضلوعه، وانتزعوا روحه من جسده، فعبثًا هو لا يموت. وتابع: “إذا تهيأ لهم أنهم خنقوا صوت الحنتوش فعليهم أن يعلموا أن صدى كلماته يعلو بين الأحياء والبيوت”. كما ألقى هشام بو غنام كلمة باسم شباب عين إبل.
في الختام تسلّمت عائلة الشهيد الحصروني دروعاً تكريمية من النائب عقيص ورئيس جهاز الشهداء والمصابين والأسرى شربل أبي عقل، ومن منسق المنطقة جوزف سليمان، ودرعًا أخرى باسم منطقة صور قدمها لها المنسّق فؤاد عوده. وتوجه الجميع إلى مُجمّع قصر الصنوبر حيث أقيم غداء عن نفس الشهيد الحصروني.
وللمناسبة نفسها، نظّم عدد من المناطق والمراكز القواتية، في مختلف المحافظات، وقفات ضمّت حشوداً من المحازبين والمناصرين وأبناء المناطق المُشاركة، كما شارك فيها نوّاب ووزراء حاليون وسابقون، إضافة إلى قيادات حزبية ومسؤولين من المستويات كافة، أضيئت خلالها الشموع ورُفعت الصلاة على نية الشهيد الحصروني. وألقيت الكلمات المُطالبة بكشف الحقيقة وإسقاط القناع عن القتلة، وشملت الوقفات مناطق: البقاع الشرقي، المتن، بعبدا، بنت جبيل، بيروت، جبيل، جزّين، زحلة، صيدا – الزهراني، صور، طرابلس، عاليه، عكّار، كسروان، ومرجعيون ـ حاصبيا.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
