.jpg)
ممّا لا شكّ فيه أنّ القضايا الخلافيّة في لبنان أكبر بكثير من تركيبته الكيانيّة. ولكن لا يمكن لواقع الحال هذا أن يستمرّ. لأنّ استمراره بهذا الشكل يعني انتهاء الوطن. ولا نريد لهذا اللبنان الذي بنيناه طوال سنين، لا بل قرون من المقاومة والنّضال والعرق والتعب والدم أن يندثر. فالبحث بغير هذه الصيغة يصبح مباحًا إن أصبح رافضو هذا اللبنان أكثر من القابلين بوجوده. وعندها لا يمكن لأحد أن ينتقد مَن يبحث عن بدائل لحياة هذا الوطن، ولو بشكل جديد. قد نعيش بوطن لا يشبه هذا اللبنان، لكنّنا حتمًا سنعيش معًا. ومع مَن يرغب بالحياة فيه فقط.
أمّا دعاة الموت فلا مكان لهم في وطن لا يجمعهم فيه مع أترابهم سوى قدر مستحيل على تعايش مشؤوم. لا نريد التعايش أو الانصهار، بل نريد العيش معًا واحترام التعدّديّة الهويّاتيّة المجتمعيّة. وهذا ما يدعو إلى البحث في كيفيّة الالتقاء حول القضايا التي تسمح ببقاء لبنان. والبحث بجدّيّة بقضيّة بحجم قضيّة اللجوء السوري وما تبعه من نزوح وهجرة غير شرعيّة، لا بدّ أن يتمّ تجاوز فيه الأطر الخلافيّة بالكامل. ومَن لا يريد تجاوز هذه الأطر فهو حتمًا شريك بمخطّط أكبر منه، لا بل أكبر من لبنان بذاته والجوار.
فلا يمكن مقابلة رأي قوى الرابع من آذار في بدايات هذه الأزمة في العام 2011، عندما كانت هذه القضيّة قضيّة لجوء من الاضطهاد السياسي من نظام يقتل شعبه في كلّ دقيقة؛ وبين رأي قوى الثامن من آذار التي كانت مهيمنة على حكومة ميقاتي الأولى التي تاجرت بهذه القضيّة، وهدّدت بطرد اللاجئين مقابل أن تحصل على أموال لمساعدتهم من قبل الدّول المانحة شرطًا أساسيًّا للسكوت السياسي عن بقائهم في لبنان. وتتالت الحكومات، واكتمل عقد سيطرة قوى 8 آذار على الدولة كلّها في زمن الرئيس السابق ميشال عون. وكلّ ما قامت به هذه السلطة، هو المزيد من التسوّل على قارعة أرصفة المنظّمات الدّوليّة، لتمويل فسادها من الأموال التي تقاضتها لقاء سكوتها عن هذا الملفّ.
واليوم عندما تحوّل هذا الملف من اللجور إلى نزوح فهجرة غير شرعيّة، على وقع مطالبات الفريق السيادي بتصحيح المقاربات الحكوميّة في التعامل معه، ولكن من دون أيّ استجابة. بات ذلك يفضي إلى استنتاجات تؤكّد تواطؤ هذه السلطة التي يديرها دويتّو المنظومة والمنظّمة مع النّظام السوري. وهما بالتكافل والتضامن يشرفان على تنظيم هذه الهجرة غير الشرعيّة عبر معابر تبدأ من العريضة إلى العبودية، مروراً بوادي خالد، شمالاً، وصولاً إلى جبل أكروم وتخوم الهرمل على الحدود في البقاع، إذ تشير المعلومات إلى وجود 53 معبراً غير شرعي.
وهذه المعابر كلّها هي تحت إشراف منظّمة حزب الله والفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، إن بطريقة مباشرة أو بالوساطة عبر عملاء للمنظمة الايرانيّة والنّظام السوري؛ إضافة إلى تجار البشر، عديمي الكرامة الانسانيّة والوطنيّة والهويّاتيّة – الكِيانيّة الذين يعملون تحت عباءة هذه السلطة الفاجرة التي باعت الوطن والانسان والأمن بثلاثين من فضّة. وللضغط على المجتمع الدّولي بهدف استعادة كرامة للنظام السوري هو بنفسه تنازل عنه، جنّدت نفسها منظّمة حزب الله لاستعادتها له مقابل أن تسيطر بالكامل على لبنان، شرط أن تجعله المحافظة الحلم للنظام السوري، علّه يستعيض بها عن المناطق التي انتزعها منه أحرار سوريا؛ بذلك، تكون المحافظة اللبنانيّة الخطّة البديلة للنظام السوري، بواجهة بحريّة تبلغ 210 كلم ، قد تستثنى منها المناطق الخارجة عن نفوذ هذه المنظّمة، إن نجحت بتحرير ذاتها جزئيًّا من تحت سيطرتها.
هذه هي الاستراتيجيّة المكشوفة لتذويب الدّولة اللبنانيّة في دولة حزب الله. تلك المنظّمة التي يعتبر قادتها أيّ عقل يواجهها هو عقل عقيم ولا يريد بناء بلد. في حين أنّ حقيقة هدم الدولة واضحة كالشمس. وهي تمّت منذ سيطرة هذا الفريق بالكامل في ذلك السابع من أيّار في العام 2008. نتيجة سلسلة تنازلات من بعض قادة حركة 14 آذار بذريعة الخوف من المواجهة واللجوء إلى مشروع اللبننة. إلى حين سقوط هذا المشروع، واقتناع قسم كبير من دعاة هذا الفريق باستحالة هذا المشروع، والسبيل الوحيد هو بالمواجهة.
أمّا مشروع 17 تشرين الذي استقطب بعض النّخب المجتمعيّة في بيئة منظمة حزب الله فقد تمّ إسقاطه بفعل قوّتيّ الترغيب والترهيب. ومشروع ما يسمّونه مقاومة الذي صار ممانعة ثمّ تحوّل في 27 تشرين الأول 2022 إلى سلام صامت هشّ بين لبنان والعدوّ الاسرائيلي، بوساطة أميركيّة يعتبرونها تريد إذلال لبنان بنزع سلاح المقاومة لتكريس الحياد فيه؛ صار هذا المشروع لتحصين الحدود بقوّة سلاحهم، فيما هم حارسو حدود العدوّ، وجعلوا من شماله أرضًا آمنة منذ العام 2006. ما يثبت نجاح القرار 1701 من حيث تحقيق مصلحة العدوّ على حساب مصلحة لبنان. وفي وسط هذا الأتّون الانهياري يأتيك عميل بأدنى المراتب ليصرّح بأنّه مع لبنان القوي المحمي باستراتيجيّة دفاعيّة تكون المقاومة جزءًا منها. لكأنّ لا وجود لدولة أو جيش أو سيادة!
فعلاً بتنا في زمن التفاهة وحكم التافهين حيث تمّ انتخاب بعض الأشخاص الأقلّ قدرة على الحكم، من قبل الأناس الأقل قدرة على الإنتاج، وتصوّر مقاييس الفعالية في إدارة شؤون المواطنين، مقابل عدم قدرة المنتجين على الوصول! وإن وصلوا بفعل مثابرتهم في نضالهم وثباتهم في خياراتهم فيتمّ تعطيل حكمهم بفعل سيطرة التافهين على مفاتيح الحكم. هؤلاء الذين نجح الدويتّو بإيصالهم إلى قمرة القيادة في السلطة ليقبعوا في وسطيّة عاجزة وسطحيّة بدون أيّ رؤية ثاقبة وواعدة. مقابل إبعاد كلّ أصحاب الرؤى التجديديّة والمبدعة. وعندما نجح الثائرون للحقيقة بالوصول تمّ تعطيل الدّولة، بحجّة ملكيّة صكّ المجلس النيابي، باب الولوج إلى مؤسّسات الدّولة كلّها.
لذلك كلّه، اليوم اليوم وليس غدًا، لأنّه كما يفسّر صاحب هذا القول قوله، أي الشاعر سعيد عقل، إن لم يحصل ذلك اليوم، فلن يَكونَ هُنالِكَ أَيُّ غَدٍ ليحْصُلَ بهِ. الدّعوة إلى تَظَاهراتٍ مركزيّة مستمرّةٍ أمام مبنى الأمم المتّحدةِ في بيروتَ باتت حتميّة، وبمواكبة سياسيّة، أو من دونها حتّى. وذلك لتكرار ما حدث في 14 آذار، لانتزاع قرار أممي تحت ضغط إرادة الشعب الذي يريد الحياة، كما طالب في 17 تشرين، بهدف التوصّل إلى نهاية هذا الكابوس الكياني. وهؤلاء هم بذاتهم والحقّ أكثريّة، لذلك هم الأقوياء ودعاة الموت هم الضعفاء. وإن لم يستجب الشعب الحرّ لهذه الدّعوات؛ هل تنفع عندها تكرار تجارب الماضي، أو استجداء وطن على قارعة الأرصفة الأمميّة، أو حتّى الحفاظ على وطن في ظلّ تأمين المصالح الدّوليّة على حساب وجوده واستمراره؟
