Site icon Lebanese Forces Official Website

الجنوبيّونَ أبناءُ الحياة.. نُزِّحُوا ولمْ يَنزَحوا

لا يمكن لأيّ عاقل أن يقف مع الباطل ضد الحق، والتّاريخ اللبناني الكياني يشهد على ذلك. فاللبنانيّون ما وقفوا يوماً مع باطل ضدّ بعضهم بعضاً، إلا عندما استعمل هذا البعض الباطل بالتحديد، لينقض على إخوته بالوطن. لكن هذا الصدع الوطني تم رأبه بإرادة العيش معاً. هذه الارادة اهتزّت عند خروج قسم من المكوّن الحضاري الشيعي من رحاب الكِيانيّة الوطنية متنازلاً عن إرث التاريخ في الأخوّة الوطنية التي أوحيت إلى البطريرك الياس الحويك، على حساب التزامه بعقيدة إيديولوجية لا تشبه أبناء بيته الحقيقيّين.

ومما لا شكّ فيه أن هذه المجموعة التي نجحت منظّمة “حزب الله” باختطافها، قد نجحت بدورها بتثبيت ثقافة تحت مسمّى “المقاومة” التي كانت مشروعة للبنانيين كلّهم في مرحلة ما قبل 25 أيّار من العام 2000. والأكثر من ذلك، نجحت المنظمة بترسيخ ثقافة البيئة المقاوِمَة الحاضنة لأجندتها الإيديولوجيّة الإقليمية طوال مرحلة خوضها الصراع مع العدوّ الإسرائيلي. لكنّ المفارقة أنّها تابعت هذا المسار حتى بعد الانسحاب في العام 2000، والأدهى، لا بل الأوقح، أنّها رفضت التنازل عنه، حتى بعدما وقّعت اتفاق السلام الصامت في النّاقورة، برعاية ومباركة مَن تعتبره طوال مسيرتها العقائدية في لبنان، أي منذ نحو أربعة عقود، شيطاناً أكبر. وبعد التنازلات التي قدّمتها في الموضوع الحدودي، بحسب أهمّ خبراء التاريخ والجغرافيا والجيولوجيا، لا زالت متمسّكة بهذه الفلسفة التي تغسل العقل بموجبها وتجعل منه أداة طيّعة بخدمة المشروع الأممي الأكبر من الشخص البشري.

وهذا ما جعل هذا المكوّن الحضاري، خزّاناً زاخراً، يبذل ذاته فداءً للمشروع الذي لا يشبه هويته المجتمعيّة، لكأن هذا الإنسان الذي زرع أرض الجنوب بعرقه ورواها بدمائه لا يستحقّ الحياة! بل يجب أن يبقى دائماً، مشروعاً خارجاً على القانون… في إفريقيا وأوروبا، يتّخذ من التجارات الممنوعة وغسل الأمول سبيلاً لتمويل مشروع المنظّمة التي أضحت عبئاً على مستقبله الإنسانيّ، وإن قرّر البقاء في لبنان، تحوّل إلى مشروع شهيد يسقط خارج الحدود اللبنانيّة ليخدم المشروع عينه. هذا إن لم يصبح هارباً من سلطة الدّولة لأنّه تحوّل إلى ” كبتغونجيّ” أو فاسد ناشط في خدمة محور الممانعة.

أضف الى ذلك كلّه، أنّ هذه المنظّمة نجحت بامتياز، بإفقاد هذا الإنسان الشعور بالأمان والاستقرار فداءً للمشروع، وليبقى زعيمه طاغية من تحت الأنقاض.

ألا يحقّ للجنوبي أن ينعم بأدنى مقوّمات الحياة الهانئة، ويسعى ليطوّر نفسه، ويكتسب المزيد من الخبرات في مسيرته الحياتيّة؟

ألا يحقّ له أن يستمتع بالجمال الهارب الذي خلقه الرّبّ وسلّطه عليه؟

ألا يحقّ له أن يعيش يوميّاته بدعوة الطّهارة والقدراسة في الأرض التي ورثها عن آبائه واجداده؟

ألا يحقّ له أن يتنعّم بدولة قانون ومؤسّسات تضمن له حرّيّته وسلامته من دون أن تُفرَضَ عليه الشهادة لأنّ مشروعه فرض التعطيل على الدّولة ومؤسّساتها؟

ألا يحقّ له أن يستمتع بعيش اختلافه مع الآخر الذي يشبهه بالانسانيّة والوطنيّة؟ أم أنّ ذلك كلّه ممنوع على الجنوبيّين، وعلى مَن هم مِن أبناء هذا المكوّن الحضاريّ؟

ليس صحيحاً ما يُشاع أنّ جبروت فكر منظّمة “حزب الله” ومحور الممانعة وأنصار إيران هم استراتيجيّون لدرجة انّهم أعدّوا خطط نزوح الجنوبيّين من بيوتهم وأرزاقهم، لأنّهم استشرفوا إمكانيّة ما يحدث اليوم. فهؤلاء لا يريدون الرّحيل لكنّهم أرغموا من قبل الذين يحملون أوجاعهم ليحقّقوا بوساطتها أجندات إيديولوجيّة، بدأت بالدّخول في حلبة الصراع العربي ـ الاسرائيلي وما انتهت بعد بالمفاوضات النوويّة الايرانيّة ـ الأميركيّة.

هؤلاء ليسوا بيئة حاضنة لمشروع لا يشبه وطنيّتهم بشيء. إنّهم أبناء لبناننا، لبنان الـ10452 كلم2 الذين تحوّلوا إلى حطب يابس تحرقه منظّمة “حزب الله” ومشروعها لتحافظ على استمراريّتها في لعبة الأمم. الموضوع ليس سياسيّاً، إنّه موضوع إنسانيّ محض. ففي نهاية المطاف، هذا حقّهم بالحياة، وما نجحت منظّمة “حزب الله” بانتزاعه من العقول، إلا بعدما نجحت بإغراق هذه العقول النيّرة بجهل الإيديولوجيات وثقافة الموت.

جنوبيّونا محبّو الحياة دائماً وأبداً. إخوتنا الشيعة هم أهلنا بالوطن والهويّة الكيانيّة، ونحن اليوم كما كنّا دائماً، ومنذ زمن البطريرك الياس الحويّك، معهم في مواجهة المشروع الذي يريد انتزاعهم من لبنان الحرّيّة. نقف معهم جنباً إلى جنب ليعيشوا حياة هانئة في ظلال جمهوريّة قويّة تحميهم من هذه الأفكار المتغطرسة كلّها. ولا بدّ لهم أن يتحرّروا من ظلاميّة هذه الإيديولجية القاتلة، لأنّهم أبناء حياة، وأبناء الحياة لن يقبلوا الموت ليحيى الموتى الذين يختبئون، بل هم سيقبلون الحياة ليحيا لبنان الجديد.​

Exit mobile version