
كتب لوسيان شهوان في “المسيرة” – العدد 1745
هناك من يتساءل لماذا عرّض سيرغي ماغنيتسكي نفسه للخطر وشَهِد ضد أشخاص نافذين ومقرّبين من “الكرملين”؟ لقد فعل ذلك لأن هذا الإجراء كان الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله، ولأنه كان يؤمن بسيادة القانون في روسيا، ولأنه كان يشمئز من المسؤولين الحكوميين الذين أساءوا استخدام السلطة ولم يقوموا بواجباتهم في خدمة المواطنين واختاروا الفساد بدلا من القانون.
ولادة قانون ماغنيتسكي
القصة بدأت مع المستثمر الأميركي – البريطاني بيل برودر مؤسس “Hermitage Capital Management”، أكبر صندوق استثماري أجنبي في روسيا آنذاك، والذي حقق في مساره الاستثماري أرباحاً هائلة، كما استحوذ على شركات روسية كبيرة تعمل في قطاعات النفط والغاز ومجالات الطاقة.
في تشرين الثاني 2005 منعت السلطات الروسية برودر من دخول أراضيها من جديد وأمرت بترحيله الى بريطانيا واعتبرته شخصيّة تهدد الأمن القومي الروسي. في حزيران 2007 داهمت السلطات الروسية مكاتب “Hermitage” في موسكو ووضعت يدها على كل المستندات الموجودة بداخلها. في المقابل كلّف برودر المدقق الضريبي الروسي سيرغي ماغنيتسكي بمتابعة الأمر لمعرفة أسباب ما حصل. وبينما كانت هذه المستندات في عهدة الشرطة، اكتشف ماغنيتسكي أن أمرًا ما يُحاك عبر استخدام الوثائق والمستندات التي حصلت عليها السطات الروسية من المكاتب المُداهَمة لإعادة تسجيل ملكية شركات برودر القابضة للاستثمار باسم آخر. وفي كانون الأول 2007 تم استخدام الملكيات الجديدة لهذه الشركات ومعها “التزامات ضريبية مزيّفة” لاسترداد 230 مليون دولار من الضرائب التي كان دفعها المالك السابق للشركات في العام الذي سبق هذه الإجراءات.
كيف حصل ذلك؟
استخدم المزوّرون العقود المزيّفة لإثبات وجود دَين على Hermitage بقيمة مليار دولار لشركات وهمية؛ ولم تكن الشركة المذكورة على علم بذلك. أقرّ المحامون الذين عيّنهم المزوّرون لتمثيل Hermitage بالذنب نيابة عن الشركة ووافقوا على المطالبات، وبالتالي غُرِّموا بسبب ديون غير موجودة. حصل كل ذلك فيما لم يكن مسؤولو Hermitage على علم بإجراءات المحكمة. وتبيّن أن المالك الجديد هو فيكتور ماركيلوف وهو مُدان بجرائم قتل أُطلق سراحه بعد عامين من عقوبته.
تم استخدام الديون المزيّفة للشركة لجعل الشركات تبدو غير رابحة من أجل تبرير استرداد 230 مليون دولار من الضرائب التي دفعتها الشركات عندما كانت تحت سيطرة Hermitage تم إصدار المبلغ المُستردّ عشية عيد الميلاد عام 2007 ليسجّل أكبر تهرّب ضريبي في تاريخ روسيا. بعد ذلك قدّمت Hermitage للسلطات الروسية كل نتائج التدقيق التي أجرته عبر سيرغي ماغنيتسكي، وبدل أن تُفتح قضية ضد الشرطة والمزوّرين فتحت السلطات قضية جنائية ضد ماغنيتسكي.
اقتيد سيرغي ماغنيتسكي الى سجن بوتيركا في موسكو في تشرين الثاني 2008 بعد اتهامه بالتواطؤ مع Hermitage وتم اعتقاله مدة 11 شهراً و22 يوماً من دون محاكمة، بحيث حُرم من الزيارات العائلية وأُجبر على العيش في زنزانة وضعها صعب وغير صحّي. وبنتيجة ذلك، أصيب بالتهاب البنكرياس والتهاب المرارة الحصوي ولم يتلقَ علاجًا طبيًا مناسبًا لوضعه الصحي طيلة فترة سجنه. في 16 تشرين الثاني 2009، وقبل ثمانية أيام من إطلاق سراحه المُفترض (قبل انقضاء مدة السنة التي يمكن خلالها احتجازه قانونًا من دون محاكمة) توفي سيرغي ماغنيتسكي عن عمر 37 عاماً.
حمل بيل برودر قضية ماغنيتسكي وتوجّه الى الإدارة الأميركية حيث لاقاه أعضاء من مجلس الشيوخ داخل الكونغرس الأميركي للنظر في القضية. بادر السيناتور بنجامين كاردين من الحزب الديمقراطي والسيناتور جون ماكاين من الحزب الجمهوري، بدراسة ومناقشة القضية، لترفع بعد عام، لجنة الشؤون الخارجية للكونغرس في حزيران 2012 مشروع قانون أطلقت عليه إسم “قانون سيرغي ماغنيتسكي” يهدف لمعاقبة الشخصيات الروسية المسؤولة عن وفاة “سيرغي ماغنيتسكي” من خلال حظر دخولهم الى الولايات المتّحدة وإلغاء أي تأشيرة تم إصدارها لهم، تجميد ممتلكاتهم وأصولهم داخل الولايات المتحدة، كما منع أي شخص أميركي من الدخول في معاملات مصرفية مع أي منهم.
في 6 كانون الأول 2012، صادق مجلس الشيوخ الأميركي على القانون بعد موافقة 92 نائبًا، وبعد ثمانية أيام وقّع الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما القانون، وأصبح نافذاً.
في 23 كانون الأول 2016، أصدر الكونغرس نسخة معدّلة للقانون “Global Magnitsky Human Rights Accountability Act”، ما مكّن الإدارة الأميركية من معاقبة أي شخصية أو مسؤول حكومي حول العالم منخرط بقضايا الفساد أو منتهك لحقوق الإنسان بعدما كان القانون السابق مخصصًا لروسيا فقط. وفي 20 كانون الأول 2017 وبناء على «قانون ماغنيتسكي» أصدر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الأمر التنفيذي رقم 13818: “شدة انتهاكات حقوق الإنسان وانتشار الفساد، وصلا إلى نطاق خطير يشكل تهديدًا غير عادي للأمن القومي والسياسة الخارجية والاقتصاد للولايات المتحدة، كما يهدد استقرار النُظم السياسية والاقتصادية الدولية”.
وقد جاء هذا الأمر التنفيذي، لتوسيع نطاق تطبيق أحكام القانون، خصوصًا في ما يتعلق بالأهداف التي يُحتمل أن تخضع للعقوبات، وذلك من خلال استبدال مصطلح “الأشخاص الأجانب” بمصطلح “أي شخص”. كما صارت عمليات الفساد واضحة في الأمر التنفيذي.
العقوبات المفروضة هي عقوبات اقتصادية تنفذها وزارة الخزانة، بالإضافة إلى قيود على التأشيرات تنفذها وزارة الخارجية، وتتضمن عملية التصنيف مداولات بين الوكالات بحيث يحدد وزير الخزانة (مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بشكل رئيسي) العقوبات بالتشاور مع وزير الخارجية ومدّعٍ عام. فيما بعد، تصدر وزارة الخزانة بياناً حول كل عقوبة اقتصادية جديدة وفقاً للأمر التنفيذي 13818، ويقدّم الرئيس في الوقت عينه تقريرًا سنويًا مع حلول 10 كانون الأول من كل عام، إلى الكونغرس حول التصنيفات التي تمت بموجب هذا القانون في العام السابق، فضلاً عن العقوبات التي تم إنهاؤها.
أبرز المعاقبين
في تقرير نشرته “Human Rights First” في 30 حزيران 2023، هناك 475 شخصيّة وكياناً تمت معاقبتهم بحسب القانون المذكور: 316 منهم بسبب الفساد، و145 آخرين بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان و14 بسبب قضايا تتعلّق بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان في الوقت نفسه. أمثلة عن بعض الشخصيات والكيانات المُعاقبة:
يحيا جامع، رئيس غامبيا السابق الذي تولّى الحكم عام 1994 واستقال عام 2017. فُرضت عليه العقوبات عام 2017 لتورّطه في انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان وقضايا فساد.
سلوبودان تيسيش، من بين أكبر تجار الأسلحة في منطقة البلقان. فُرضت عليه العقوبات عام 2017 لتورّطه في قضايا رشاوى ماليّة وفساد.
مختار حميد شاه، جرّاح باكستاني متخصص في زراعة الكلى. فُرضت عليه العقوبات عام 2017 بسبب انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان.
ريان الكلداني ووعد قدو، قادة ميليشيات عراقية مقرّبان من الحشد الشعبي. فُرضت عليهما العقوبات عام 2019 بسبب تورّطهما في قضايا تنتهك حقوق الإنسان.
رمضان قديروف، رئيس جمهورية الشيشان الروسية. فُرضت عليه العقوبات عام 2020 بسبب ارتكابات تنتهك حقوق الإنسان.
سلطان زابن، عبد الحكيم الخيواني، عبد الوهاب جفران، مطلق عامر المراني وعبد القادر الشامي مرتبطون بالأجهزة الأمنية التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن. فُرضت عليهم العقوبات عام 2020 بسبب إنتهاكاتهم الخطيرة لحقوق الإنسان.
فالح فيصل فهد الفياض، سياسي عراقي ورئيس سابق ومستشار لمجلس الأمن القومي ورئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق. فُرضت عليه العقوبات في بداية عام 2021 بسبب إقدامه على أفعال انتهك من خلالها حقوق الإنسان.
المكتب العام لحرس الحدود في وزارة الدولة لأمن الدولة في جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، المسؤول عن الأمن على طول حدود جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية مع الصين وروسيا. يتعرّض الأشخاص داخل جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية للعمل القسري والتعذيب وغير ذلك من انتهاكات حقوق الإنسان والتجاوزات على أيدي الحكومة. فُرضت عليهم العقوبات عام 2022.
محليّاً
في 6 تشرين الثاني 2020 فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على رئيس التيّار الوطني الحرّ جبران باسيل، الذي وصفته بأنه “في طليعة الفساد في لبنان”، بموجب الأمر التنفيذي رقم 13818. بالتالي تُحظر جميع الممتلكات، المصالح، وأية كيانات يملكها بشكل مباشر أو غير مباشر بنسبة 50 في المئة أو أكثر، بشكل فردي أو مع أشخاص محظورين آخرين، موجودين في الولايات المتحدة أو تحت سيطرة أشخاص أميركيين؛ ويجب إبلاغ مكتب مراقبة الأصول الأجنبية عنها. وكذلك تُحظر جميع المعاملات الماليّة التي تتم من خلال الولايات المتحدة. في السياق، اتُهم باسيل الذي تولّى عدّة مناصب رفيعة في الحكومة اللبنانية، بعمليات فساد كبيرة، بحسب البيان الذي نشرته وزارة الخزانة، ففي العام 2017 عزّز قاعدته السياسية من خلال تعيين أصدقاء له في مناصب وشراء النفوذ داخل الدوائر السياسية اللبنانية.
عام 2014، وكان باسيل وزيراً للطاقة، شارك في الموافقة على العديد من المشاريع التي من شأنها توجيه أموال الحكومة اللبنانية إلى أفراد مقرّبين منه من خلال شركات وهميّة. تم إدراج باسيل على لائحة العقوبات لكونه مسؤولاً حكومياً حالي أو سابق، أو شخصاً يعمل لصالح مسؤول أو بالنيابة عنه، أو يكون مسؤولاً أو متواطئاً فيه، أو شارك بشكل مباشر أو غير مباشر في الفساد، بما في ذلك اختلاس أصول الدولة ومصادرة الأصول الخاصة لتحقيق مكاسب شخصية، أو الفساد المتعلّق بالعقود الحكومية أو استخراج الموارد الطبيعية، أو الرشوة. وأمام هذا البيان الذي يُذكّر الجميع بالسبب المباشر لفرض وزارة الخزانة العقوبات على باسيل، تسقط مقولة باسيل أنه “مُعاقب بسبب تحالفه مع حزب الله”، فبيان وزارة الخزانة واضح ويتهم باسيل أنه فاسد ومتورّط بقضايا فساد.
هل إنهاء العقوبات أمرٌ ممكن؟
يأذن القانون للرئيس الأميركي بإنهاء تطبيق العقوبات إذا قرّر الرئيس أن المُعاقب لم يشارك في النشاط الذي بسببه تم فرض العقوبات عليه، أو إذا تمّت محاكمته على الجريمة أو إذا قام بتغيير سلوكه، وهو ملتزم بعدم الانخراط في أي نشاط خاضع للعقوبات في المستقبل. ويجوز للرئيس أيضاً إنهاء فرض العقوبات إذا وجد أن ذلك يصب في مصلحة الأمن القومي الأميركي.
الفرصة الحقيقية
صحيح أن “سلاح العقوبات” فرصة للشعوب المقهورة يُضرب من خلالها الفاسد ومنتهك حقوق الإنسان في دولهم، وقد تُضعف هذه العقوبات نفوذه مؤديةً الى خروجه من السلطة تدريجياً أملاً باستبداله بحاكم صالح يبدأ مسارًا إصلاحيًا معيّناً يعيد لهذه الشعوب كرامتها. ولكن تبقى الفرصة الحقيقية للمبادرات النضالية والرهانات الداخلية التي تبنيها إرادة وتصميم المناضلين الفعليين، والتي تهدف الى العبور نحو دولة القانون والعيش الكريم. ربما كان حلم “سيرغي ماغنيتسكي” التخلّص من استبداد وفساد كان يراه في السلطة في وطنه…
من صورة المناضل السياسي المعارض فلاديمير كارا مورزا المحكوم بالسجن لمدّة 25 عامًا الذي ساهم مع بيل برودر وغيره في ولادة “قانون ماغنيتسكي” والذي يقبع اليوم في السجون الروسية بعد ان اعتقلته السلطات في 22 نيسان الماضي الى صورة السيناتور بنجامين كاردين الذي عمل لولادة “قانون ماغنيتسكي” والذي يستعد لاستلام جائزة Global Accountability Guardian لعام 2023 في 17 تشرين الأول المقبل في مدينة نيويورك والذي عمل عام 2022 من أجل إعادة التفويض الدائم لقانون ماغنيتسكي العالمي، والذي بدوره يرفع الصوت لإخلاء سبيل كارا مورزا؛ تعيش صورة ماغنيتسكي لتلاحق كل فاسد ومنتهك لحقوق الإنسان…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
