.jpg)
ما شهده ويشهده قطاع غزة بعد عملية 7 تشرين الأول 2023 يعيدنا الى أيام النكبة الفلسطينية في العام 1948 حيث شكّلت القضية الفلسطينية بالنسبة للأنظمة العربية ولشعوبها البوصلة والشعار في كل التحركّات وحتى في المزايدات والمتاجرات والصفقات، في ظل “عنتريات” الممانعة التي لطالما أضرّت بالقضية الفلسطينية عبر التاريخ وعلى جغرافيّةِ سلطاتها.
منذ العام 1948، تغنّت الدول العربية والإسلامية وتعهدت والتزمت بحقوق الشعب الفلسطيني وحق عودته وتحرير أرضه وكان أكثر من حمل هذا اللواء أو هذه الشعارات، الدول الأعتاها ديكتاتورية والأكثرها قمعاً لمواطنيها وأكثرها فتكاً بشعوبها، ومنها الشعب الفلسطيني، ونذكر على سبيل المثال ما فعلته سوريا بـ”أسدَيها” بالقضية الفلسطينية من العام 1976 مروراً بالعام 2011 وحتى الساعة.
منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979، صنّف النظام الإيراني نفسه الحامي الأول عن فلسطين، محاولاً احتكار قضيتهم، كما فعل السوري قبله مستعيناً بأذرعه الذين زايدوا حتى على الفلسطينيين أنفسهم وخوّنوا زعماءهم بخياراتهم وسياساتهم ونضالهم وهدروا دمهم.
ولأن الهدف مما تقدم يبقى الحقيقة، من الضروري والمفيد العودة بالتاريخ الى الوراء قليلاً، وبالجغرافيا الى “الضفة الغربية وقطاع غزة”، الحاصلَين على استقلالهما الذاتي والمشكّلة سلطتهما من خلال اتفاق أوسلو وما تلاه من اتفاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية التي ترأسها الرئيس الراحل ياسر عرفات وبين دولة إسرائيل.
نتذكر ونذكّر انه في ذلك الوقت، خوّن الأمين العام للحزب حسن نصرالله، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية “الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني”، ياسر عرفات، هادراً دمه ومحرّضاً على قتله، إذ قال في كلمة له في 1 تشرين الأول من العام 1998: “إن عالم الشرفاء اليوم يتطلّع الى اللحظة التي يوضع فيها حدّ لهذه المهزلة والخيانة والسقوط. الا يوجد في الشرطة الفلسطينية، من ضباطها وجنودها الذين يريدهم عرفات حراساً للإسرائيليين…ألا يوجد شخص بينهم يحسّ بالكرامة؟ شريف، يخرج على عرفات كما خرج خالد الإسلامبولي ليقول إن وجود ياسر عرفات على وجه هذه الارض هو عار في حق فلسطين، وفي حق العروبة، وفي حق الإسلام”؟
وللتذكير، خالد الإسلامبولي هو المتهم المدان باغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات.
ليعود “الحزب” وينظم مسيرة تضامنية بتاريخ 26 أيلول من العام 2002 مع ياسر عرفات، عند حصار الاحتلال الإسرائيلي لمقر إقامته في رام الله في الضفة الغربية، يدعو فيها نصرالله نفسه الى “الابتعاد عن كل كلمة وكل موقف وكل ممارسة وكل شعار يمكن أن يحبط شعبنا و يمزق الصفوف… يجب أن نتضامن مع الجميع. وعندما تحاصر قوات الاحتلال المقاطعة في رام الله، يجب أن نتضامن مع كل أولئك المحاصرين في رام الله، مع ياسر عرفات ومع كل الذين يتواجدون في داخل الحصار”.
وبعد وفاة ياسر عرفات نعاه “الحزب” في 11 تشرين الثاني من العام 2004، بوصفه بـ”القائد والرمز” الذي ارتبطت سيرته الشخصية بسيرة فلسطين في تاريخها الحديث، بكل ما فيها من معاناة وآلام وآمال”، واعتبر البيان “أن الشعب الفلسطيني يفتقد اليوم هذا القائد الكبير”.
وفي إطار استغلال اسم عرفات ورمزيته لاحقاً، اعتبر رئيس حركة المقاومة الاسلامية حماس في قطاع غزة يحيى السنوار في 6 نيسان من العام 2018، “أن المشاركين في مسيرات العودة يمضون على نهج زعيم المقاومة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات”.
أما اليوم ومن خلال غبار المعارك وذر رماد “المزايدات” في العيون، يعمد “مخوّنو” عرفات بالأمس ـ ممجدوه اليوم ـ الى شنّ حملات تخوينية بحق “المتخاذلين” وغير المنجرفين “مع طوفان” الأقصى، والذي تحوّل سريعاً الى طوفان غزة بالدماء والدمار والنار… وهنا تبرّع “الحزب” مرة جديدة، بالمزايدة والتحريض والتشجيع، كما على التسويق لضرورة توحيد الجبهات والساحات و”تشبيكها” كمقدمة لتحرير فلسطين.
وفي هذا الإطار انبرى بالأمس الشيخ صادق النابلسي ليقول مخوّناً مزايداً مهدّداً اللبنانيين المعارضين قبل الأعداء الخارجيين، تماماً كما فعل سيّد حزبه في العام 1998 مع عرفات: “جماعة سايكس بيكو في لبنان والعالم العربي لا يريدون توحيد الساحات وتشبيك الجبهات ولا يريدون طبول الحرب أن تُقرع إلا عند مشاريع الفتنة والفدرالية. المنظّرون الأرستقراطيون ومتنوّرو المنظمات المدنية أصحاب شعار ضبط النفس المقدس، لا تعمل وظائفهم وضمائرهم الحيّة حاملين وصفات “الواقعية والحكمة وبلدنا ما بيتحمل”، إلا حين تكون أصابع المقاومين على الزناد، والإ حين تكون هزيمة العدّو ممكنة. منظومة عميقة تلبس ثياب الأطباء لتخدير الشعوب والتشويش عليها. التنديد بهؤلاء لا يقل أهمية بمجازر العدوّ البشعة ولو حملت مواقفهم المضللة أسماء مهذبة”.
لكن ما يُلفت القارئ والمراقب أن “الحزب” نفسه لا يزال يعتمد “ضبطِ نفسٍ” أملاه عليه الوليّ الإيراني، كما لا يزال ملتزماً بـ”قواعد الاشتباك” التي وضعت له منذ العام 2006 وكرّسها التزاماً بالتهدئة بعد ترسيم الحدود البحرية في العام 2021… فـ”المناوشات” أمام الطوفان كانت أقرب الى “المناغشات” مع العدو الإسرائيلي، وهذا يعتبر “عدم تلبية” لما طالبت به حماس وما شجع عليه “الحزب” نفسه.
وما يُلفت أكثر ويدعو الى الاستغراب، أن منسوب التوتر والاستعدادات والتهديدات بامتداد وتمدد الطوفان لبنانياً، هو أكبر بكثير من الاستعدادات لامتداده والانجراف معه عند شقيقة “قطاع غزة” الفلسطينية الضفة الغربية. وهنا يُسجّل للقيمين على الضفة لا عليهم، حكمتهم ووعيهم في هذا المجال، مع العلم بأن قيادات حماس لا تنفك تحاول توريط الضفة وأبنائها بالمعركة عبر تصاريحهم التي تؤكد أن الضفة دخلت أو تدخل أو ستدخل المعركة، كأني بالضفة الغربية الفلسطينية تقول لنصرالله ولإيران من ورائه، كفى مزايدات ومراهنات وصفقات على ظهر الفلسطينيين، فإن “الضفة الغربية الفلسطينية أدرى بشعابها”، وكذلك تُجنِّب جمهورية مصر العربية دولتها وشعبها “طوفان” غزة عبر إقفال معبر رفح أمام الخطة الإسرائيلية للترانزيت، في حين يقوم المزايدون الآنفو الذكر، بالمزايدة على مصر مهاجمين. لا يختلف أداء سوريا بشار الأسد في عدم الانصياع لتوحيد الجبهات وتشبيكها عن الذين يهاجمهم “الحزب” لتخاذلهم، فالنظام السوري يتلقى الضربات اليومية وآخرها توقيف مطاري حلب ودمشق وخروجهما عن الخدمة بفعل القصف الإسرائيلي والذي بقي ويبقى من دون رد.
أخيراً، كم من الجرائم ارتكبت بحق فلسطين والفلسطينيين وترتكب باسم فلسطين والفلسطينيين… تحت عناوين التضامن وتوحيد الساحات.
