#dfp #adsense

صباحك حرية جيزيل

حجم الخط

…وصارت جيزيل خوري تراند على منصة إكس!

نزلت صورتها بالأبيض والأسود مزينة بشريط حداد. يا جيزيل أينك أين ذهبتِ، ما زال الوقت مبكراً جداً يا امرأة النضال والحب والإعلام الرزين المثقف الذي نشتاقه. على حفيف ورق تشرين المتمايل الألوان، غابت جيزيل خوري لتكتب مع خربشات الخريف سطور رحيلها الحزين. نظن أحياناً أن الأقوياء يبقون أقوياء للأبد، لا ينكسرون، لا يبكون، لا يستسلمون. نظنهم أبطالاً من نسج الخيال والبطل لا ينهزم، وعندما يفعل نكتشف أنه حتى للبطولة حدود، وأن الأبطال ينهزمون لأنهم إنسان قبل أي شيء، والبطولة المطلقة غالباً تأتي من وهم. هزم المرض المرأة الحديدية، أو هكذا أرادت جيزيل أن نظنّها، امرأة قوية لم يهزمها حتى موت قلبها، وقلبها كان سمير قصير وذاك الوطن الحلم الغارق بالحرية والسيادة، وتلك البيروت الرائعة الرامشة على حب الإنسان وحقوقه وحريته، إلا أن جيزيل هزمت، وحزنت ونكاد نقول دُمرت، لكنها نهضت وقاومت وصنعت نجاحاتها في كل ما فعلته، وإن بقي القلب مكسوراً من دون سمير.

أذكر لما اغتالوا سمير قصير، كيف ذهبت الى ساحة الشهداء حيث درزت صوره في كل مكان، وقفت جيزيل عند الصورة تتلمّسها وتبكيها، قلت يومذاك لن تصمد. ستترك كل شيء وتنكفئ في حزنها على حب عمرها، ولم تفعل، ابتلعت دمعها المالح المرّ وحوّلت اغتيال سمير الى قضية حريات، ولأجل عيون سميرها صارت مؤسسة Samir Kassir Eyes التي لاحقت قضايا الإعلام والإعلاميين في لبنان والعالم العربي، أنجزت الكثير فيها، لكنها عجزت عن تحقيق العدالة لسمير قصير نفسه.

أسوأ ما في هذه الأرض هي اللاعدالة. قتلوا سمير، وهي عرفت من القاتل الذي بقي يسخر منها ومن ألمها ومن الشهيد، فقتله ألف مرة على مر زمن الأعوام التي مرت، وبقيت جيزيل خوري شاهدة على استهزاء القاتل، وهو ينكز ألمها العميق، هو اليوم حي يرزق وسمير وجيزيل توغلا في الرحيل، أي عدالة هذه يا ربي لا نفهمها؟!

صرتِ صورة بالأبيض والأسود جيزيل خوري، ولا أريد أن أكتب سيرة الإعلامية المثقفة الرزينة، التي انطلقت من شاشات لبنان الى شاشات عربية أخرى، لتكون علامة فارقة في حواراتها وثقافتها واتزانها، لكن أكتب مسيرة امرأة مناضلة في كل شيء، وكل نضالها تحت عنوان الشغف. ناضلت لتكون مع حبيب عمرها سمير قصير، وناضلت لتكون متمايزة في مهنتها، وناضلت لأجل حرية الإعلاميين، وناضلت لأجل بيروتها وبيروت سمير قصير، وناضلت لأجل حرية وسيادة لبنان، وانتظرت طويلاً ربيع هذه الأرض ورحلت في الخريف ولم يحلّ الربيع بعد.

دهمها ذاك المرض القاسي الفتّاك، قبل أن تقطف ثمار الحرية لأجلها ولأجل سمير، قالوا إنها كانت تردد دائماً “ما تخافوا عليي رح أهزم السرطان”، وهزمها اللعين المتوحش، وسكنت صورة الأبيض والأسود، هي التي لوّنت مهنة المتاعب تلك بأجمل ألوان الإحتراف والمهنية العالية والأخلاق الإعلامية التي أصبحت نادرة في زمن القحط الأخلاقي ذاك.

لم أكن أتصور يوماً أني قد أكتب عن جيزيل بصيغة الغائب، لكن حصل… ولعلك الآن تعيشين ربيع الحب مع عمرك الآخر سمير قصير، وبقي هنا منك الكثير العالق على زمنك المناضل، هو وجع وطن لم تتعبي طوال عمرك القصير من أن تندهي عليه بالحب، وتدعين عليه بالسيادة والحرية. لعلك الآن جيزيل تُجرين أحلا حوارات عمرك مع سمير، بعدما أصبحتِ معه في الحرية المطلقة، وفي حضن وطن لامحدود اسمه السماء والرجاء في القيامة مع يسوع. صباحك حرية جيزيل.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل