




من جسمانيّة مشموشة سيدة دير شهداء 2 حزيران، إلى ريمات دير شهداء تقلا أول الشهيدات 25 حزيران، إلى العيشية الممتلئة الكؤوس والفؤوس بقرابين 21 تشرين الأول 1976، إلى منطرة مغدوشة وعذرائها المُنتظرة أبناء المغدوشيين المهجَّرين المُرحَّلين المُشتَّتين أعوام 1986 ـ 1990، إنَّها تَوالي جسمانيَّاتٌ جزينيَّةٌ تلاقي عبر تشابه الأزمنة والأمكنة تلك الجسمانية الشاهدة بشجر زيتونها على سهرة آلام وأوجاع ووحدة إبن الله، والتي لجزين المتروكة من الجميع كامل حقوق صرخته وهي مصلوبةٌ مُهانة مُعرّاة مثله: “إيلي إيلي لما شبقتني، أي إلهي إلهي لماذا تركتني”!
أيام إمارة جبل الكيان اللبناني كانت جزين أميرتَه الجنوبية وخاتمة حدوده مُرسَّمة بشلالات مياه تندفقُ من علوِّ سُلَّمِ شيره تلاقيها شلالات غابات صنوبرٍ يموج، ثم شلالات كنائس وأديار وبيوت فيها من أصالةِ ميراث العمارات اللبنانية ما يحوِّل شلال مائها نغماتٍ لتراتيل ومواويل، وشلال صنوبرها لُباناً وبخورًا ودهشة عيون، وشلال عمارتها أيقوناتٍ وجداريات!!
الأب الأقدس يوحنا بولس الثاني المعروف مسكونيًا بـ”بابا رجاء الشعوب”، وبإلهامٍ من روح قدس أوطان الشهادة لحرية أبناء الله، وبتشجيعٍ من المقاوم البولندي القديم كارول فواتيلا اتَّخذ عام 1985 قرارًا أبويًا بابويًا رسوليًا ورسائليًا بضمِّ جزين ومصير شعب جزين إلى عهدة الكرسي الرسولي البطرسيِّ، لتصبح مدينةً مسكونيَّة متصلة بدولة الفاتيكان ومحميّةً رعويَّة يرعاها أصلب رعاة الكنيسة الجامعة العتيق في ممارسة المقاومة لأجل كرامة الشعوب، معتبرًا جزيننا الحصينة برجالها الأُباة الأشداء المقاومين بمنزلة قريتِه البولونية ومسقط رأسه “فادوفيتش” وعاصمتَي بلاده وارسو وكراكوف المُنهكتين بالإحتلالين النازيِّ وشقيقه الشيوعيّ، فأوعز يوحنا حبيب الإنسانية جمعاء إلى رسوله الأمين المونسنيور سيلفيستينو بوهيغاز ليكون حاضرًا مُقيمًا باسمه في جزين اللبنانية الجنوبية الرسوليّة المرصودةِ بالأخطار من عيون الغُزاة المحمرَّة.
وصل الأب بوهيغاز إلى جزينه وعرينه يوم 3 تشرين الأول 1985 آتيًا إليها باسم الرب ويوحنا بولس الثاني حبيب الشعب اللبناني، فعاش فيها ولأجلها خمس سنوات يمنع عنها صلبًا بالمقلوب كصلب بطرس، ويردع عنها سيوفًا كسيفٍ قطع رأس رسول الأمم بولس. وحين أطمأنَّ عقلُ وضمير رسول المقاوم البولوني البابوي الراعي الصامد بوهيغاز إلى سلامة أمانتِه الجزينية، وارتاح باله لمصيرها، غادرها يوم عيد الدنح 6 كانون الثاني عام 1990!
“دِنحو” الأرامية تفسيرها الظهور الجليُّ والإعتلان المُضيء، وصوت الآب ينسكب على نهر المعمدان ورأس ابنِه المُعمَّد: “هذا هو إبني الحبيب الذي به سُرِرت”. وهذا هو شعب جزين في يوم عيد دنح 6 كانون الثاني 1990 إبنٌ حبيبٌ للإبن يسوع وممثله على الأرض يوحنا بولس الثاني!!
مراحل ومفارق ودروب إنصلاب مشموشة والعيشية ومغدوشة، ثلاث مراحل إضافيَّةٍ أضافها حمل الله الحامل خطايا العالم على أربع عشرة مرحلة مشاها، وما زال يمشيها برفقة شعبه الجزينيّ على دروبٍ متشابهةٍ متباعدةٍ في التاريخ متقاربة الخطوط في تدوين وتأريخ رسائل الفداء العظيم بين جبل جلجلة أورشليم وبين بلاد جبل حيطورة وجبل الريحان وجبل تومات نيحا، حيث لم يكن لإبراهيم خليل تلك المنطقة المفجوعة كبشًا واحدًا يفدي فيها آلاف آلاف من إسحق أُلقي بهم فوق المحارق والمذابح والخرائب!
عام 1860 كانت سنة فظائع وتوحُّشات الحاكم بأمر السلطنة العثمانية خورشيد باشا السفّاح الموفَد إلى جبل لبنان من ديوان سلطانٍ متألِّهٍ مثله مثل متألِّهين يتوهَّمون بأنَّ رقاب العباد ومصائرهم مُلكٌ مُثبت لتيجانهم الفاجرة وألقابهم النّاشزة وعقائدهم المنزلة المُبرمة، فاتَّخذ هذا الخورشيد الرجيم قرارًا إرتجاعيًا مؤجَّلاً بالثأر من جبل أهل الكيان اللبناني، ومن دولة لبنان المَهيبة الشَّأن الواسعة الثابتة الحدود التي غرسها على مدى أرض السيادة والعنفوان الأمير فخر الدين المعني الكبير ورسوله إلى أوروبا ومهندس قلاعه البطريرك الماروني جرجس عميرة الإهدني الغارسَينِ الإمارة اللبنانية المرهوبة الجّانبِ المحصَّنة الجوانب غَرس أرز الرب والباروك، إمارةٌ قدوةٌ مقدامة ألحقتِ الهزائم المُذلَّة بجحافل الاحتلال السلطانيّ العثماني هزيمة تلوى الهزيمة!
حزيران 1860 شهر اللهيب الجهنميّ، أفلتَ خورشيد باشا الجزّار وحوش البغضاء من أوكارها وأفاعي سموم الكراهية من جحورها، وابتكر أساليب أحقادٍ تعجز الأبالسة عن ابتكارها أوقعت أهل جبل الأخوَّةِ التاريخية في ارتكاب معصية سجن العقل وإفلات الغرائز الوحشية، فهدم الأخ بيت أخيه وحرق جار العمر رزق جاره، وهجَّر وِلف الخبزِ والمِلح وِلفَه، وكأنَّ عين اليمين قلعت أختها الشمال.. وكأنَّ يد الشمال بُترت وقطعت أختها اليمين في ثأرٍ سلطانيٍّ عثمليٍّ متأخِّرٍ من كبير أحلام الأمير المعني والبطريرك عميرة!!
دير سيدة مشموشة المعروف تاريخيًا بدير سيدة الشوف تلبيَّةً لتمنيات بني معروف الذين طالما اعتبروها جارتهم وشفيعتَم وسِتَّهم، هو ذاتُه “الحَملُ المُساق إلى الذَّبحِ من دون أن يفتح فاه”، وهو الذي تحوَّلَ يوم فجيعة 2 حزيران 1860 إلى أفخارستيا رهبانيَّةٍ لبنانيَّةٍ مارونيَّةٍ مشموشيَّةٍ كاملة مكتملةٍ بأجسادِ عشرين راهبٍ، منهم مَن أتم نذر روحه ودمه داخل الدير، ومنهم الذي ذُبِحَ في حقول الدير المرتوية الزرع بدماء رهبانها، ومنهم مَن نُفِذت فيه عمليات الإعدام على الدروب والمفارق سحلاً وتقطيع أطراف وأوصال، ومنهم من ذاق طعم سوائل الحَرق فتحققت بأجسادهم المغبوطة الطوباوية النورانية أقسى آيات تنبيهات وتحذيرات الرب يسوع: “سيُخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعةٌ يظنّ فيها كلُّ من يقتلكم أنه يقدِّم خدمةً لله”.
عشرون مصلوبًا ذبيحًا رهبانيًا من دير مشموشة انضم إليهم أربعةٌ من رهبان دير القديسة تقلا ريمات يوم 25 حزيران، فضمَّتهم سيدة الشوف أمًا حزينةً إلى صدرها كما ضمت يسوعها المُنزل عن صلبِه المريع، ثم سبقت الكنيسة الجامعة الرسولية بإعلان طوباويتهم وقداستهم!
داخل ضريح دير الأربعة والعشرين شهيدًا بلاطةٌ تشبه لوح الوصايا نُقِشت على وجهها الشاهد أسماء رهبان دير سيدة مشموشة شهداء ديري مشموشة وريمات بحفر خطٍ يُبرقُ كاللمع الذي جندل شاوول حارس ثياب قتلة إسطفانوس أول الشهداء ومضطهد أحباب يسوع!
• رهبان رفع قرابين دير سيدة مشموشة:
– الرهبان الكهنة: الأب عبدالله بكاسيني. الأب مبارك بكاسيني. الأب ريشا مشموشة. الأب نعمة الله عين زحلتي. الأب شربل جزيني. الأب يوسف الديراني. الأب أوغسطين الدبيّة.
– الرهبان الإخوة: الأخ مخايل بكاسيني. الأخ أنطون بكاسيني. الأخ جرجس بكاسيني. الأخ عمانوئيل بكاسيني. الأخ يونان خرايب صبّاح. الأخ موسى خرايب صبّاح. الأخ يوسف بتديني. الأخ جراسيموس بتديني. الأخ جبرائيل بحنيني. الأخ عبدالله عين زحلتي. الأخ أنطونيوس الطاحون. الأخ مخايل البسكنتاوي. الأخ يوسف بتدين اللقش!
• دير القديسة تقلا ريمات 25 ذات حزيران 1860: الأب مبارك خرايب صبّاح. الأب يوحنا بيت لهيا. الأخ يوسف بيت لهيا. الأخ جبرائيل بيت لهيا!!
مِسكُ ميرون خاتمة وشهادة
جزين عاصمة كما هي عاصمة سيدة المعبور والشلال والفرسان ورسول يوحنا بولس الثاني الأب بوهيغاز، كذلك هي عاصمة الأديار الرسولية من دير سيدة مشموشة إلى دير مار أنطونيوس وادي جزين إلى دير المخلص بحنين، لها في رسائل التعايش وطيبِ الجوار مثال يُقتَدى به ويُحتذى:
• بنواتي بلدة في بلاد جزين تجاور مشموشة الضيعة وبكاسين تقلا، وإحدى أبرز ملكات جمال ضيعِ وبلدات لبنان. وبلدة بنواتي تدين وتُصلِّي على سنَّةِ الله ورسوله كما على سُنَّةِ انتمائها الجزيني اللبناني العريق. وكان مِن أحد أعرافها الأصيلة الرائعة أنَّه كلمَّا تعيَّن رئيس جديد على دير سيدة مشموشة يأتي إمام بنواتي إلى داخل صالون الدير ليقف إلى جانب رئيسه المُعَيَّن ويتقبَّل معه تهاني المُهنِّئين!
• دير المخلِّص بحنين وعيده الموافق ليوم تجلِّي الرب على جبل حرمون، كان يشهد كل ليلة من ليالي 6 آب تجليًا إيمانيًا إنسانيًا مؤثِّرًا ونادرًا .مئاتٌ ومئاتٌ من الطوائف الإسلامية الصيداوية كانوا يقصدون بحنين وديرها ليُعيِّدوا ويُعايدوا أهلهم وجيرانهم من موارنة وكواتلة القضاء الجزيني، فيُخيِّمون ليلة العيد بين صنوبر بكاسين وصبّاح والحمصية وضهور الرملة وبتدين اللقش، فكانت جموع التجلّي الإنساني الصيداوي الجزيني تهتف هتاف بطرس المذهول: “حسنٌ أن نبقى ههنا يا معلِّم”!!!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]