#dfp #adsense

عندما تتجرّع الممانعة سمّ “انتصاراتها”

حجم الخط

…”طوبى لكم أيها الشعب! طوبى لكم رجالاً ونساء! طوبى للمحاربين والأسرى والمفقودين وعائلات الشهداء العظيمة! وويل لي أنا الذي مازلت على قيد الحياة، أتجرّع كأس السُّم المُلوّث بقبول القرار، وأشعر بالعار مقابل عظمة وتضحية هذا الشعب الكبير…” (مرشد الثورة الإسلامية الإمام علي خامنئي في 20 تموز من العام 1988).

هنا يتحدث الخميني عن قبوله بقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 598 الذي صدر في 20 تموز من العام 1987، والذي يقضي بوقف إطلاق النار وانسحاب كل من العراق وإيران الى الحدود الدولية وتبادل الأسرى التي كانت قد رفضته إيران، لأن سقف حربها الأدنى كان الإصرار على احتلال العراق وإسقاط نظام الحكم فيه وإقامة الجمهورية الإسلامية فيه.

ومن رسالة المرشِد الوجدانية ذات الدلالات الاستراتيجية السياسية ـ العسكرية وحتى العقائدية، ننطلق لنعرِّج على بعض المحطات الشبيهة لا بل المتطابقة، لما درج على تسميتها “الممانعون” اللبنانيون والعرب والاقليميون بـ”الانتصارات الواضحات” والتي أُلحقت باتفاقات أو قرارات دولية دحضت أو ناقضت او حتى ألغت مفاعيلها، لتوصَم بالواقع العملي والفعلي بـ”الهزائم”.

 

ـ في 29 تشرين الثاني من العام 1947، أصدرت “الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 181 والذي يقضي بتقسيم فلسطين الى ثلاث كيانات:

دولة عربية مساحتها 11 ألف كم مربع

دولة يهودية مساحتها 15 ألف كم مربع

القدس وبيت لحم والأراضي المجاورة تحت وصاية دولية

وقد رفض العرب والفلسطينيون القرار يومها “مفتخرين”.

 

ـ حرب تشرين من العام 1973 التي يتغنى العرب بانتصاراتها الواضحة المبينة، والتي هزّت عرش إسرائيل، فأصبح من بعدها السادات “بطل العبور” وحافظ الاسد “بطل تشرين”، لتُظهر قراءة الحدث وما بعده والمعاهدات والاتفاقات والقرارات التي تلت، اضمحلال هكذا انتصارات وتفريغها من مضمونها السياسي على الأرض وفي الإستراتيجيا. فعلى الجبهة السورية كان للجسر الجوي الأميركي السريع الدور البارز في الهجوم الإسرائيلي المعاكس والذي جعل طريق دمشق مفتوحاً أمام الجيش الإسرائيلي عند ثغرة سعسع. وكان لاتفاق ما بعد الحرب تنازلاً من قبل السوريين وفك اشتباك لا يزال ساري المفعول حتى اللحظة.

أما على الجبهة المصرية، فكان لدبلوماسية كيسنجر ولحصار الجيش الثالث شرقي قناة السويس، من خلال ثغرة الديفريسوار، أثرها في الاتفاقات. من اتفاق “الكيلو 101″، الى اتفاقي فض الاشتباك سيناء 1 وسيناء 2 اللذين مهّدا لاتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل في كامب دايفيد، والتي أخرجت مصر من الحظيرة والاحتضان العربيين، ليتهم السادات بعدها بالخيانة، “مُنفذاً فيه حكم الإعدام”.

 

ـ اتفاقية وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل بعد عملية عناقيد الغضب، التي سميت بـ”تفاهم نيسان”، في 26 نيسان من العام 1996، وقد نصت في بنودها الأربعة على ما يلي:

“لا تنفذ الجماعات المسلحة في لبنان هجمات بصواريخ الكاتيوشا أو بأي نوع من الأسلحة على إسرائيل.

لا تطلق إسرائيل والمتعاونون معها النار بأي نوع من الأسلحة على مدنيين أو أهداف مدنية في لبنان.

يتلزم الطرفان ضمان ألا يكون المدنيون في أي حال من الأحوال هدفاً لهجوم، وألا تستخدم المناطق المأهولة بالمدنيين والمنشآت الصناعية والكهربائية كمناطق لشن هجمات منها.

ومع عدم انتهاك هذا التفاهم لجانب التعرض للمدنيين، ليس هناك ما يمنع أي طرف من ممارسة حق الدفاع عن النفس”.

بالإضافة الى مضمون البنود الواضح، نترك للرئيس السابق العماد ميشال عون التعليق على هذا التفاهم، الذي يُعتبر حتى كتابة هذا البحث من الانتصارات المسجّلة لما سُمي المقاومة الإسلامية، ففي بيان أوردته وكالة الأنباء المركزية ونشر في النهار بتاريخ 18 آب من العام 1997، اعتبر عون “أن التفاهم يبيح لإسرائيل حرمة اللبنانيّين”، وسأل: “كيف تفاوض المقاومة عدوّها وتقبل بشروطه فتصبح مقاومة بالتراضي، كما أنّها تعطيه أمناً كاملاً على أراضيه وتجعل من أراضيها جهنّم كاملة”؟.

ـ انسحاب الجيش الاسرائيلي من الجنوب في 25 أيار من العام 2000، والذي اعتبر انتصاراً للحزب، لكن مجلس الأمن اعتبر الانسحاب امتثالاً من إسرائيل للقرار 425 الصادر في العام 1978، في حين أن الحزب كان يرفض القرار، وكانت الحرب بينه وبين حركة أمل تحت تهمة هذه الأخيرة بتأييد القرار خدمة للعدو الإسرائيلي والعمل على تطبيقه… وللتأكد من الانسحاب الإسرائيلي قامت الأمم المتحدة بوضع خط أزرق في العام نفسه، تحفّظ لبنان على 13 نقطة منه، لكن بعد مرور 23 عاماً على وضعه، يجري التعامل مع ما يسمّى بـ”الخطّ الأرزق” أو خطّ الانسحاب، من قبل الدول الغربية والأمم المتّحدة وكثير من اللبنانيين، وكأن هذا الخط هو خطّ الحدود الفعلي بين لبنان وإسرائيل ووجب احترامه، وهذا ما قام به  “الحزب” حتى العام 2006.

 

ـ حرب تموز في العام 2006: على الرغم من إعلان “الحزب” ولبنان وقسم كبير من العالم العربي عن الانتصار على إسرائيل في حرب تموز، إلا أن اعتراف أمين عام الحزب حسن نصرالله عسكرياً وشعبياً بالهزيمة بعبارة “لو كنت أعلم”، ومضمون قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701 الذي أكد على القرار 1559 “الاسرائيلي الصنع” بنزع سلاح الميليشيات غير الشرعية وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها دون غيرها، ونشر الجيش اللبناني الذي كان مرفوضاً من الحزب في الجنوب،  وانتشار قوات حفظ السلام الدولية على الجانب اللبناني فقط دون الجانب الإسرائيلي والتي كان يعتبرها الحزب أيضاً حرساً لحدود إسرائيل وقوات تجسس لصالحه، إضافة الى فترة الهدوء التي نعم بها الجليل الاسرائيلي منذ تموز 2006، كل هذه الأحداث والتطورات جعلت من الانتصار المُعلن عبر التوقيع على هكذا قرار، أقرب الى الهزيمة، تجرّع سمّها “الحزب” بقبوله بالـ1701 على غرار قبول الخميني بالقرار 598.

اليوم تشهد فلسطين المحتلة حرباً خامسة على غزة، ولسخرية القدر أن “الممانعين” احتفلوا بالانتصار مرات أربع في حروب غزة السابقة، إلا أن الانتصارات الأربع والانتصار الخامس العتيد، لم ولن يكونوا، بالأثمان الباهظة المدفوعة بالعباد والعتاد والبلاد، الا جرعات من السمّ تأخذه الضحية عن طيبة خاطر أو عن جهل جاهل.

وفي السياسة أكثر ما يطمح اليه الفلسطينيون والعرب المنفتحون المتنورون والذي يرفضه “الممانعون”، هو حل الدولتين، وطبعاً لن تكون حصة الدولة العربية الفلسطينية فيه الا جزءاً صغيراً مما عُرض على الفلسطينيين والعرب في القرار 181.

“ولات الساعة ساعة مندمِ”.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل