
على وقع استمرار الهجوم الإسرائيلي على غزّة وتزامناً مع المجزرة الوحشية التي ارتكبت في مستشفى المعمداني في قطاع غزة، تتواصل الجهود الدولية والمواقف الداخلية الداعية لتجنّب انجرار لبنان الى الحرب في وقت لا يزال الوضع محكوماً بقواعد اشتباك واضحة بين “الحزب” وإسرائيل، على الرغم من تصاعد حدّة التوتر.
داخلياً، تتجه الأنظار الى الجلسة الحكومية التي دعا اليها رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الخميس المقبل، فقد أفادت أوساط سياسية مطلعة بأن سلسلة تحركات سياسية بدأت تشق طريقها في سياق التحذير من تجنيب لبنان الدخول في الحرب ورأت أن النصائح الغربية التي اسديت إلى المسؤولين اللبنانيين تركزت على هذا المضمون.
وأوضحت لـ”اللواء”، أن هناك صعوبة في التكهن بمسار التطورات حتى أن أي اتصالات مع “الحزب” لم تسجل.
قالت المصادر، إن الضغوط انطلقت ولاسيما من قبل المعارضة التي رفعت الصوت في مجلس النواب ضمن سياق منع جر لبنان إلى الحرب مع إسرائيل وانعكاسات ذلك على الوضع في البلد، وهذه الضغوط مرشحة للتفاعل.
وأفادت بأن الأنظار تتجه إلى الجلسة الحكومية التي يدعو اليها رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي مع العلم انه باشر اتصالات بشأن الوضع، معتبرة أن الجلسة الأخيرة أظهرت انقسامات وتباينات وهناك هواجس من تكرارها.
الى ذلك، انفجرت التنديدات والإستنكارات عقب المجزرة الدموية التي ارتكبتها إسرائيل في باحة مستشفى المعمداني في قطاع غزة والتي خلفت ما يقارب الـ500 ضحية، وطاولت مبنى السفارة الأميركية في بيروت وقصر الصنوبر ومبنى الإسكوا، لتصدر وزارة الخارجية الأميركية صباح اليوم الأربعاء بياناً نصحت بموجبه مواطنيها بعدم السفر للبنان، ورفعت مستوى التحذير من زيارة البلد إلى المستوى الرابع.
قالت الخارجية الأميركية، اليوم الأربعاء، إن الوضع الأمني في لبنان لا يمكن التنبؤ به بين إسرائيل و”الحزب” وفصائل مسلحة أخرى. ونصحت الخارجية الأميركية المواطنين أيضاً بعدم التوجه للمناطق اللبنانية الحدودية مع إسرائيل “بسبب احتمال نشوب نزاع مسلح”.
وجددت الوزارة التحذير من زيارة المناطق الحدودية بين لبنان وسوريا. وأشارت إلى أن رفع التحذير بعدم السفر للمستوى الرابع “يتيح لأفراد عائلات موظفي الحكومة الأميركية وبعض الموظفين غير العاملين في حالات الطوارئ في لبنان مغادرة البلاد”.
أطلقت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا في زيارتها الخاطفة لبيروت تحذيراً شديد اللهجة للبنان لعدم انجراره للحرب الدائرة بين حركة “حماس” وإسرائيل، واستخدمت في تحذيرها تعابير قاسية ليست مألوفة دبلوماسياً، داعية إلى ضبط حدوده مع إسرائيل بمنع المجموعات المسلحة على طول الحدود من إقحامه في حرب لا يتحمّل تداعياتها.
بالعودة الى الأجواء داخلياً، وتزامناً مع زيارة وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولون الخاطفة الى بيروت، يقول مصدر سياسي مواكب للأجواء التي سادت لقاءاتها في بيروت إن كولونا كانت أشد قساوة من الموقف الذي أعلنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أول تعليق له على اجتياح “حماس” للمستوطنات الإسرائيلية، ويؤكد أنها لم تطرح أفكاراً يراد منها تفادي اندلاع حرب إقليمية في المنطقة، بمقدار ما حملت إنذاراً إلى لبنان بعدم التورّط في فتح الجبهة الشمالية في حال أن إسرائيل حسمت أمرها وقررت الدخول إلى قطاع غزة، نافياً أن تكون قد التقت أي مسؤول من “الحزب”، محذّرة في الوقت نفسه من ارتكاب خطأ في الحسابات الميدانية.
ويلفت المصدر السياسي في حديث لـ”الشرق الأوسط”، إلى أن كولونا استمعت إلى العرض الذي تقدّم به رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي للنأي بلبنان عن التوترات التي تسود المنطقة، ويؤكد لـ”الشرق الأوسط” أن الأجواء كانت مشدودة للغاية في اجتماعها برئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي دعاها بصراحة للضغط على إسرائيل لمنعها من اجتياح قطاع غزة.
ويكشف عن أن كولونا أبدت قلقها من الوضع المتأزّم على الجبهة الشمالية وإمكانية خروجه عن السيطرة، ما لم تتمكن الحكومة اللبنانية من ضبط المجموعات المسلحة المرابطة على طول الحدود اللبنانية – الإسرائيلية ومنعها من تجاوز الخطوط الحمر، ويقول إنها تصرفت في لقاءاتها في بيروت وكأنها تنوب عن وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن في إطلاق التحذيرات للبنان بعد أن استثناه من جولته على عدد من عواصم المنطقة.
ويرى المصدر نفسه أن لا تمايز بين الموقفين الأميركي والفرنسي في تعاطيهما مع لبنان، بخلاف تمايزهما فيما يتعلق بمقاربتهما للملف الرئاسي، حيث إن باريس كانت أقرب في موقفها إلى “الحزب” قبل أن تضطر إلى تعديل موقفها لجهة ترجيحها للخيار الرئاسي الثالث الذي يعمل من أجله المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي إلى لبنان وزير الخارجية السابق جان إيف لو دريان.
ويؤكد أن كولونا وإن كانت حصرت مهمتها باستطلاع المواقف اللبنانية، فإنها بادرت إلى تبنّي الموقف الأميركي بحذافيره، مع أنها تراهن على انعقاد القمة العربية – الدولية السبت المقبل في شرم الشيخ بدعوة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لعلها تفتح نافذة في الأفق الذي لا يزال مسدوداً بحثاً عن تسوية لقطع الطريق على اندلاع حرب إقليمية بدءاً من غزة.
يتابع المصدر نفسه أن إيران تتزعم الحملات السياسية والإعلامية في مواجهة المحور الأميركي – الأوروبي الداعم لإسرائيل، لأن الجناح المقاوم في المحور ليست لديه القدرة للتواصل مع الدول التي شملها وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان في جولته الأخيرة، فيما ينظر مصدر لبناني إلى تصاعد وتيرة المواجهة على الجبهة الشمالية، على أن هناك ضرورة لجر المنطقة إلى حافة الهاوية لتفعيل التدخلات الخارجية بالتوازي مع رفع منسوب التحرك العربي والدور الذي تلعبه المملكة العربية السعودية للجم التدهور من جهة، ولتأمين فتح ممرات إنسانية لإيصال اللوازم الطبية والصحية والمواد الغذائية لغزة بالتنسيق مع مصر.
