
يعيد انهيار المبنى في المنصورية والذي أدّى إلى سقوط عدد من الضحايا، لا يزال بعضهم تحت الأنقاض حتى هذه الساعة، تسليط الضوء على ملفّ الأبنية في لبنان لناحية سلامتها ومواصفاتها الهندسية وصلاحيتها للسكن الآمن. علماً أن الكارثة التي حلّت على سكان مبنى المنصورية المنهار، ليست يتيمة للأسف، إذ سبقتها كوارث مماثلة في السنوات الماضية مع تعرّض عدد من الأبنية للإنهيار وسقوط عدد من الضحايا والجرحى.
الدولة ومؤسساتها المعنية إما غائبة أو نائمة عن معالجة هذا الملف الخطير الذي يهدّد حياة الناس، مرّة لكلّ المرّات، وهي لا تستفيق إلا فوق ركام الأبنية المنهارة وجثث الضحايا، بدل القيام بواجبها، لتتكرر المأساة كل فترة وينهار أحد الأبنية فتهرع للإسعاف ورفع الركام وانتشال الضحايا.
رئيس جمعية منشئي وتجار الأبنية في لبنان، إيلي صوما، يميّز بين الأبنية القديمة المهددة والأبنية الحديثة في السنوات الأخيرة. ويؤكد، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “أكثر من 90% من الأبنية في لبنان تُصنَّف (باب أول) لناحية السلامة والأمان الهندسي وليس هناك أي التباس حولها”. لكنه يلفت إلى “الهزات الأرضية التي حصلت في لبنان بفترة سابقة”.
صوما يشير، إلى أن “هناك العديد من الأبنية التي تتضمن ملفاتها في إدارات الدولة المعنية تقارير بأنها غير صالحة وممنوع السكن فيها، وأتت الهزّات لتضاعف الخطر من انهيارها فضلاً عن الأمطار الغزيرة والسيول التي تخلخل الأساسات. لكن أؤكد مجدداً أن أكثر من 90% من الأبنية في لبنان سليمة ولا يوجد أي خطر أو إشكال بشأنها، وهي توازي الأبنية في أهم دول العالم لناحية المواصفات الهندسية والسلامة والمتانة والأمان”.
يضيف: “المشكلة تتعلق بعدد من الأبنية المصنّفة من قبل إدارات الدولة والبلديات بأنها غير صالحة للسكن، لكونها متصدّعة وأتت الهزّات الأخيرة لتزيد من تصدّعها، علماً أنه لم تسقط أي بناية نتيجة الهزّات مباشرة، إنما ازداد التصدّع في هذه الأبنية وأصبحت معرّضة في أي لحظة للسقوط”.
صوما يشدد، على أنه “من واجب الدولة، من خلال الأجهزة والمؤسسات المعنية، عدم السماح بالسكن في هذه الأبنية المتصدعة تبعاً للتقارير والكشوفات والقرارات المتخذة سابقا،ً والتي تؤكد أنها متصدّعة وفي حالة الخطر وغير صالحة للسكن. لكن يبقى التنفيذ، فالناس تسكن تلك الأبنية وترفض إخلاءها ربما لقلّة الحيلة، والدولة لا تتابع المسألة بالجدية الحازمة المطلوبة وتمنع الناس من السكن في تلك الأبنية، وتؤمّن الحلول لهذه القضية والبدائل اللازمة”.
في السياق ذاته، يحمّل صوما “مسؤولية إيجاد حلّ لكل ملفات الأبنية المعرضة للخطر للدولة بمختلف وزاراتها وإداراتها المعنية، من وزارة الأشغال العامة إلى وزارة الداخلية والبلديات وسائر الإدارات المختصة، فالشتاء بدأ والمخاطر تتضاعف نتيجة الأمطار الغزيرة والسيول التي تخلخل أساسات الأبنية المشابهة المتصدّعة أساساً”. ويسأل: “هل يعقل المَشاهد التي رأيناها في المطار وغيره في الشتوة الأخيرة؟ هل يعقل أنه حين تمطر لساعتين أو ثلاث، تغرق بيروت بل لبنان في السيول؟”.
صوما يعرب عن أسفه، لأن “وضعنا يشبه طفلاً من دون أب وأم. لبنان متروك، وأبوه وأمّه توفيا”، مشدداً على أنه “من واجب الدولة بمختلف وزاراتها وإداراتها المعنية القيام بشيء ما، وعليها أن تؤدي واجبها وتتحمّل مسؤولياتها لمنع الكوارث شبه المؤكدة بالنسبة لتلك الأبنية المتصدعة”.
كما ينوّه، إلى أن “بعض الأبنية القديمة التي تعرّضت لتشققات معينة إثر الهزات التي ضربت لبنان، أُجريت عليها إصلاحات وصيانة وتمّ إضافة أعمدة على أساساتها، فضلاً عن تدعيم الأعمدة القائمة بزيادة سماكتها مع (قمصان حديد) إضافية لتمتينها، وتُعتبر حالتها جيدة اليوم. لكن معظم الأبنية المتصدّعة والموجودة ملفاتها في إدارات الدولة وصدرت قرارات بإخلائها وعدم صلاحيتها للسكن، لا تزال على حالها والناس يسكنون فيها والدولة لا تضع حدّاً أو حلولاً لهذه القضية، بالتالي الخطر قائم من احتمال انهيارها في أي لحظة”.
صوما يتمنّى، على “مختلف المسؤولين المعنيين أن يلعب كلّ دوره، وإيلاء قضية الأبنية القديمة والمتصدعة الاهتمام اللازم لتجنب أي كارثة لا سمح الله، علماً أن الدولة اليوم ربما مهتمة بالقضايا والأحداث الأمنية التي تحصل خصوصاً في الأيام الأخيرة”. ويضيف: “لعلّه على ضوء ما يحصل من تطورات وأحداث والمخاوف من تطورها إلى حرب وقصف وقذائف، على الدولة أن تهتم أكثر بقضية المباني القديمة المعرّضة للإنهيار، والتي لا تتحمّل بالتأكيد انفجارات كبيرة في محيطها”.
يضيف: “حتى وإن لم تحصل حرب أو أحداث كبرى، في حال وقعت هزّة أرضية كبيرة، ولبنان في منطقة معرّضة للهزّات في أي وقت، فإن الأبنية القديمة والمتصدّعة والمصنّفة خطرة وغير صالحة للسكن، معرّضة للسقوط والمخاطر حولها عالية وكبيرة جدّاً، وعلى كل مسؤول معني في الدولة أن يقوم بدوره واستباق الأمور، قبل وقوع الأسوأ لا سمح الله”.
