


من رفع يمين القسم والحلفان بدم الحجولاوي إلى رفعه يمين القسم والحلفان برمح الحدشيتي، إنَّه شعب بلاد الموارنة يوحّد لاهوت أجياله بناسوت جباله توحيداً يتلازم ويتآخى كالتّوأم مع ليتورجيّة ابتهاله لمسيح رجائه وخلاصه: “وحَّدت يا رب لاهوتك بناسوتنا وناسوتنا بلاهوتك”. صلاةٌ عجائبية التوصيف رسمت أطياف بطاركة صهروا روح الأمّة المارونية بجسد المقاومة اللبنانية الشّاملة الأطياف والطوائف، ممّا حثَّ وحفز أخوة جبرائيل ودانيال، لأن يرشقوا بالحُرم الكبير كل متمذهب بمذهب الذمية بشكليها الديني والدنيوي، وأن يستمطروا غضب الربّ على كل متحزّب للمذلة والمُذلّين، فالعقيدة اللبنانية النقية الأبية هي ترجمة أمينة لنداء الرب في نشيد أناشيده وهو يدعونا للإقامة إقامة لا هجرة منها، في أوكار ومرابض الأسود وجبال النمور وتكايا الشمس والكواكب والتسابيح فوق تلك الأعالي اللبنانية، حيث القيم السُّميا تعتصم بقمم الهامات البطريركية، اعتصام كفرحي بيوحنا مارون، ومنيطرة يانوح بابراهيم القورشيِّ، كما اعتصام إيليج بسلطانة الشهداء واعتصام قنوبين بوادي الأديار والأشيار والأدهار!
زمن حلول أي عنصرة جديدة انتخابيّة لاختيار وانتخاب سليل بطريركيّ جديد لمار يوحنا مارون، فإنَّ الروح القدس أولاً هو من يتولّى تقييم الأسماء لتقرير من هو الأجدر والأكفأ والأنسب، وما على أساقفة المارونية وشعبها إلاَّ الاستعداد التام لتلقّي وحي الروح والعمل بمشورته الكليَّة الصلاح، واستنفار ضمائرهم كما الجنود للمعركة الرابحة، عندها يكتسبون صاحب غبطة يأتمنه بطرس الصفاة على كرسيه، وتغتبط به المدينة المقدسة أنطاكيا وتستند عليه رعايا سائر المشرق، وأحبار البطرسية الأنطاكيَّة المارونية المشرقية لم يتعرَّفوا على الذهب، إلاَّ كونه سبائك لنفوسهم، ولم يبحثوا عن غير السنديان خشباً لصلبانهم، وقد مرت على شعبهم أعوام عسيرة تقارب الهلاك والتهجير والفناء، فلم يجد أباهم وراعيهم البطريرك للصلبان رفيقاً داعماً، إلاَّ رماح ورمَّاحة، كلما كان الشرق المسيحاني يعلَّق مصلوباً مسمَّر اليدين والرجلين، ومطعون الجنب والصدر والعنُق والرأس!
عام 1280 تنيَّح البطريرك الماروني السادس والثلاثين مار يعقوب الثاني بطرس، أحد مرمّمي دير وصرح سيدة إيليج، فاجتمع الأساقفة وأعيان الرعايا في حمى ورعاية سلطانة الشهداء في وادي إيليج، وأقاموا صلوات استلهام روح الأقداس والقديسين، بعدها انتخبوا الأب دانيال الثاني بطرس الحدشيتي، فأصاب انتخابُه الرقم الذهبي السابع والثلاثين من أرقام الورديَّة البطريركيّة، وكان دانيال المُنتخب صرحاً بطرسياً كاملاً كمال صخر شير مسقط رأسه حدشيت المعروفة بالكاملة، وبعدها أرسل الحدشيتي ممثلاً عنه يأتيه بدرع التَّثبيت من قداسة البابا نيقولاوس الثالث الذي أوصى البطريرك الجديد بأن يتخذ الميرون المقدس من مادَّتي الزيت ودهن البلسم فقط، وقد كان قبلاً يصنع ويممزَج بأثني عشرة مادة من مواد الزيت والطّيوب، وهل كان الأب الأقدس يستلهم بأنَّ دم هذا البطريرك الدّانيالي سيُصبح ميروناً توسمُ بطيوبه قيامة كنائس الشرق والغرب!
لبنان الجبل والحصن والكيان كما هو اليوم كذلك من قديم الأزمان كان، ويبقى قهراً مزمناً وحسداً أسوداً في قلب وعين أي مملوك حاكم لا يُمزّق عقله المتوحّش إلاّ معاقل السيادة وشعبها السيّد على ماضيه وحاضره ومستقبله، وانطلاقاً من هذا الحقد الأرعن والحسد القاتل، زحفت جحافل المماليك بداية أول أسابيع شهر حزيران من العام 1283 وهدف أهدافها، إخضاع الجبل الماروني الشمالي بعد أن استفاد سلطانهم المملوكي من انتفاء الخطر المغولي، بعد وفاة أسطورة المغول هولاكو خان، فجهزَّ قلاوون السفّاح ثلاثين ألفاً من خليط مرتزقة يتألفون من الأتراك والشركس والأكراد والعرب، وكانت جبهة جبة بشراي تمتد أيامها من كهف أيطو إلى كهف حردين. انطلق الأوباش الجزَّارون من جهات عكار، عابرين وادي حيرونا باتجاه جبهة سيدة حصن إهدن، حيث الرجال يتأهّبون كالنور وينتشرون كالنار ويستعدون لمعركة الحياة بكرامة أو الموت واقفين وقوف صخورهم!
تلك الأيام المصيرية كان البطريرك الماروني دانيال الحدشيتي مريضاً، فلم يأسره مرضه ونادى على رجاله الأشداء من كلّ نواحي جرود جبيل والبترون ومشى أمامهم أباً لا مثيل لأبوِّته، وقائداً تنحني لشجاعتِه القيادة، وأخذوا طريقهم للوصول إلى جبهة سيدة حصن إهدن ليكون راعياً للمقاومين وقائداً. وصل البطريرك المقاوم ورجاله إلى الجبهة الإهدنية، ولطول مسافة الطريق بين سيدة إيليج وسيدة إهدن، أشتد المرضُ عليه وازداد أعياؤه الجسدي، فتوسَّل إليه الأبطال ورجوه الدخول إلى داخل كنيسة السيدة للاستراحة ومباركتهم من داخلها، لكن دانيال، قيدوم أنطاكيا وثائر كنيسة الشرق والغرب رفض الاستراحة بشدة وإصرار، فأصر على قيادة المعركة فقادها وهو محمول على أكتاف الرجال ورمحُه يلمع كرمح ميخائيل قائد الحرس السماوي قاهر أبالسة الجحيم والأرض!
أربعون يوماً بنهاراتهم وليالهم والبطريرك القائد ورجاله يخوضون مواجهات مستحيلة أعجازيّة، قد تُعتبر في علوم استراتيجا حروب اليوم، خيالاً من خيالات الأساطير. أربعون يوماً بساعاتهم ودقائقهم وراعي الرعاة يلهمُ بواسله كيفية إذلال قلاوون الجزّار ومرتزقته، فأذلَّوهم حتى سخر الذل منهم، وأدركوا أنهم أعجز من أن يتقدموا متراً واحداً واجتياز خطوط دفاعٍ تحرسها قوات السماء!
مع أن البطريرك دانيال هو العليم الأعلم بآية: “كونوا ودعاء كالحمام وحكماء كالحيّات”، فإنَّه اختار وداعة الحمام يوم أرسل إليه الإبليس المملوكي قلاوون من يقنعه بلقاء المفاوضة لأجل إبرام مفاوضة الصلح والسلام، ثم ناسحاب المملوكين وعودتهم من حيث أتوا بعد أن أقسم للبطريرك وأعطاه عهد الأمان وعدم المس بذرّة من كرامته الكهنوتية والحبروية، فلاقاه الراعي المقدام إلى المفاوضة بإرادة حقن الدماء وإراحة رجال مقاومين يقاومون مئة قضاء وقدر، لكن هل لأنياب الأفاعي غير اللسع والسموم والغد والنكث بالعهود؟ فتمم اعتقال البطريرك القائد فور ملاقاته قائد الأبالسة المملوكين من أشنعِ أنواع الشرور وتم سوقه إلى حيثُ تم فيه تنفيذ حكم الإعدام!
فور استشهاد البطريرك المُلهِم والدرع والحصن تسلل أفاعي المماليك إلى أقداس جبال الموارنة الشمالية فشهدَت واستشهدت كشهادة واستشهاد راعيها وقائدها ودانيالها!
البطريرك المقاوم الشهيد من منظار قاتليه:
دوَّن أمين سر السلطان القاتل قلاوون المدعو أبن الظاهر ما يلي: “ظهر في جوار طرابلس بطريرك عملاق يدعى دانيال من قرية حدشيت، إحدى المعاقل الجبيلية، جمع حوله مجمل أبناء الجبال والأودية ذوي الضلال، وفرض بسالته على طرابلس وأهلها وجميع الفرنجة، كما البلدان المجاورة، متخذًا من قرية الحدث قلعته الحصينة، شامخاً بأنفه حيث لم يتمكن أحد منه. وبالرغمِ من حملاتنا العسكرية المتواصلة عليه، لم تتمكن عساكرنا من انتزاع طرابلس من أيدي الفرنجة إلا بعد أن أجهزت على حلفائهم في الجبال أتباع البطريرك.
حينئذٍ زحفت جيوشنا الجرّارة في أوائل سنة 1284 على بلاد الجبة، فقاد رجال الدفاع البطريرك نفسه، وأوقفَ جيوشنا أمام إهدن أربعين يوماً، لم نتمكَّن منها إلاَّ بعد أن أمسكناه بالحيلة بحجة المفاوضة، وكان إمساكُه فتحاً عظيماً أعظم من افتتاح حصن وقلعة وحتى بلاد بكاملها. وكفانا الله شرُّه”!!
أبانا وقائدنا مار دانيال بطرس الحدشيتي الشهيد، ونحن اليوم شبه مطوَّقين من مختلف مرتزقة وسحنات مماليك هذه الأيام المكفهرَّة، نعود إليكَ رافعين يمين القسم والحلفان برمحك المقدس، لأن ترعانا وتقودنا ببطريركٍ دانياليٍّ، يكون حجمه البطرسيُّ البطريركيّ اللبنانيّ، شبيهاً متشبهاً بحجمك أنت، الحصنُ لنا والقلعة!!!