البطريرك الدويهي طوباوياً.. من مجد لبنان إلى مجد السماء!

حجم الخط

في سواد هذه الأيام في لبنان، فُتحت كوّة تسلل منها قبس من نور سماوي: موافقة الكرسي الرسولي في الفاتيكان على إعلان البطريرك مار اسطفان الدويهي طوباوياً، وهذه إشارة من الله أنه لا يزال حاضراً في لبنان من خلال أبراره وقديسيه الذين ملأوا وديانه وجباله في القرون السابقة ولا يزالوا حتى اليوم في الأديار والمحابس.

الخبر لم يفاجئ المسيحيين عموماً والموارنة خصوصاً، لأن الدويهي لم يكن شخصاً عادياً في تاريخهم المليء بالإضطهاد والعذاب والاستشهاد، فهو قاد الطائفة المارونية لحقبة من الزمن وترك بصماته الروحية وعمل في التأريخ مدوناً أبرز الوقائع التي عاشها الموارنة منذ نشأتهم في لبنان، وبات العلّامة ذات المصداقية والمرجعية التي يعود إليها كل الباحثين عن معلومات وحقائق في التاريخ.

وُلِدَ الدويهي في 2 آب من العام 1630 أي في أواخر حكم فخر الدين المعني الكبير، في إهدن شمال لبنان، وتعلّم القراءة والكتابة تحت سندياناتها وصلّى في كنائسها ورُسِمَ كاهناً على مذابحها ثم علّم في مدارسها. أحبها حتى العشق والهيام، إلى حدّ لم تفارق وجدانه خلال تحصيل علومه في المدينة المقدسة روما.

عاش أولى سنين حياته في إهدن، في كنف الحصون المنيعة الطبيعيّة، المعلّقة تعليقاً، والتي تمتنع على كل غاز وفاتح. هو نفسه كتب عن الغزوات والحروب والنكبات الكثيرة التي ألمّت بها خلال التاريخ، أهمها غزوة المماليك الكبرى في أواخر القرن الثالث عشر، حيث دُكّت منازلها وأحرقت وقتل قسم من أهاليها وتشتّت القسم الآخر. لكن الإهدنيين عادوا من بعدها ليحرروا إهدن واحتلوا قلعة طرابلس في العام 1310 وأعلنوها مشيخة.

انتخب الدويهي بطريركاً في 20 أيار من العام 1670، عندما كان يبلغ من العمر 40 عاماً، رجل معتدل القامة، واسع الوجه، يتمتع بطلّة مهيبة، طويل اللحية، أقنى الأنف، مفروق الحاجبين، بهي العينين.

كان مقره في دير سيدة قنوبين، وهو أراد أن تكون إقامته حيث مقرّ أسلافه وخلفائه، إلا أن المضايقات التي كان يتعرّض لها باستمرار حملته على هجر الدير مرات عدة، واللجوء تارة إلى كسروان وطوراً إلى بلاد الشوف. وكل مرة كان يتدخل أكثر من فريق، داخلي وخارجي، حتى يعود إلى كرسيه مرفوع الجبين، محميّ الجانب، مطمئناً على المصير.

أما نقطة التحوّل التي شهدها دير سيدة قنوبين في عهد الدويهي، فكانت تأسيسه الرهبانية المارونية في العام 1693.

ما أكثر حكايات المؤرخين عن فضائل الدويهي وقداسته، ويروى أنه عندما كان مقيماً في قنوبين، كان يبادر إلى مدّ يدّ العون إلى المظلومين الذين يقصدونه، وإذا دخل عليه أحد الفلاحين كان يلاقيه إلى الباب ويُجلسه على كرسيه ويسكب له الماء في قدحه ويناوله إياه ويعامله كالأم الحنون ولا يجعله يغادر إلا “مجبور الخاطر”.

رضي بالشتم والعار مراراً، وكان يفرّ أحياناً من الدير ليحمي نفسه من مضطهديه، فينتقل من مقاطعة إلى أخرى وغالباً ما كان يختبئ في المغاور وبين الصخور، غير مبال بلهيب الشمس وصقيع البرد وزمهرير العواصف. كابد مرارات الجوع أياماً طويلة واقتحم الموت مراراً، وما كان نجا منه لو لم تحفظه العناية الإلهية.

تلك الفضائل، أي القوة والحنان والنشاط والسخاء، قلّما نجدها مجتمعة في شخص واحد مثلما كانت مجتمعة في البطريرك الدويهي الذي يمكن أن يُقال عنه إنه كان قوياً صلباً كالإيمان وحنوناً كأمٍ شفوق. في تأملاته وصلواته الطويلة في الدير، كان يضمّ يديه إلى صدره ويحني رأسه موجهاً عينيه إلى قلبه، هكذا كان يجلس من دون حركة في حضرة الباري متميّزاً بخشوعه ووقاره. وخلال فترة رئاسته على الكرسي الإنطاكي، كان ينهض في منتصف الليل، صيفاً وشتاء، ليصلي ويتوسّل الله ساعات طويلة. وقد سمعوه مرّات عدة يتكلم مع مريم البتول التي كان كرّس لها ذاته.

تراءت له العذراء أكثر من مرة وخصوصاً في أثناء هربه من وجه أعدائه الذين كانوا يريدون قتله. وفي إحدى المرات، إنحبس المطر طويلاً وكادت المزروعات تجفّ، فقام البطريرك مع الأساقفة والإكليروس بالطواف من دير سيدة قنوبين إلى مغارة القديسة مارينا حاملين صورة أم الله، وقبل عودتهم إلى الدير تساقط المطر بغزارة!

وهناك عشرات العجائب التي حصلت بشفاعته ولا يزال الوجدان الماروني يتناقلها من جيل إلى جيل.

عُرِفَ الدويهي بالبطريرك العلامة نظراً إلى ما كان يتمتّع به من علم ومعرفة. وتعتبر مؤلفاته مراجع أساسية في تاريخ الموارنة، إلا انه لم يضعها بالكامل في دير سيدة قنوبين، بل في المغاور والأودية حيث كان يختبئ وينقطع عن العالم مدة طويلة للصلوات والتأملات.

في أواخر نيسان من العام 1704، عطش البطريرك في منتصف الليل وطلب ماء ليشرب، مثل سيّده الذي عطش على خشبة الصليب، ثم بارك بني رعيته الحاضرين والغائبين. ومن تلقاء ذاته، ضم يديه إلى صدره على شكل صليب. بعد هنيهة ارتخى لسانه، ولم يمض القليل حتى أطبق عينيه عن هذا العالم وأسلم روحه الطاهرة إلى الله وانتقل من دار الشقاء إلى الراحة الخالدة.

هكذا استحق البطريرك الدويهي لقب “قديس قوبين”. اختصر بمعاناته الشخصية معاناة الطائفة المارونية. وعلى الرغم من تنقلاته القسريّة المتعددة، أدار شؤون الطائفة بروحانيّة فذّة، كما الراعي الصالح، وأمّن لها ببعد نظره شروط الإستمرار والعمران. فسهر على إعداد جنود مقاومين وقديسين، وشجّع على تأسيس الرهبانية المارونيّة، فنبّت منها قديسون: شربل، رفقا، الحرديني وطوباويون ومكرّمون كثر.

أدى الطوباوي الجديد البطريرك الدويهي دوراً حضارياً في العالم القديم، لا نزال كمسيحيين عموماً وموارنة خصوصاً نستلهم صمودنا منه حتى اليوم. فهو نموذج حيّ لنا بصلابته في النكبات التي نعيشها، وسنداً في الصعوبات وملجأ وملاذاً لنا في كل زمان. عندما خلا الجوّ للغاصبين والطامعين، أرادوا أن يعطّلوا دور الدويهي البطل، فاستهدفوه، وحاولوا مرّات عدة وضعه في المنفى كي يقضون عليه. ولم يكن يُخفى عليه ما كان يضمره له هؤلاء المحتلون العابثون، وسرعان ما تألّبت حوله الوفود المارونية وكلّها آذان صاغية.

أيها البطريرك الحكيم تشفّع بنا، لا تنسى أبناءك على الأرض، وساعدنا لنكون خير خلف لخير سلف.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل