#dfp #adsense

أديب وكلود مقاومان من الكورة لكل لبنان

حجم الخط


لا نعرفهم جميعاً ولكن نعرفهم واحداً واحداً لأن قصتهم واحدة لا تتغير وإن تغيرت التفاصيل، قصتهم واحدة عنوانها: مقاومون أبطال.

لا نعرفهم جميعاً لكن عندما يرحل عنا أحدهم، نكتشف أننا نعرفهم واحداً واحداً، إذ ان حكاياتهم متشابهة، مراهقون تركوا الدنيا وفرحها وبراءتها، والتحقوا بالمقاومة اللبنانية، ولو لم يفعلوا لانتهى لبنان. أمضوا العمر يعيشون قضية صارت هي كل حياتهم، وليس أسمى عندهم من تلك “الندّاهة” التي حوّلت مسار حياتهم ومسار لبنان أيضاً، ندّاهة أشعلت في قلوبهم وميض الحب الفائق، فذهبوا بفرح الكرامة الى المتاريس ليعلنوا الحب على لبنان، هكذا هم جميعاً، ولما يرحل أحدهم، نزعل لأننا نكتشف أننا كنا نعرفهم واحداً واحداً.

 

أديب غانم

لم نلتقِ يوماً بأديب غانم ولا كلود شعنين، لكن لما عرفنا أنهما رحلا معاً بفارق ساعات بين الرحيل الأول والثاني، اكتشفنا أننا نعرفهما عزّ المعرفة، هما أولاد الكورة ذاك القضاء المقاوم عبر الزمن والأيام.

أحزنت الرفاق يا “أبو راني” ولن تنسى زكرون ذاك المناضل العتيق المغمّس بالحب لأهل الكورة جميعاً، ولتلك القضية التي أخذته الى أبعد ما كان يتصور، أخذته الى مزيد من الاهتمام والتضحية، وكل ذاك الوفاء للقوات اللبنانية وللحكيم شخصياً. هو المناضل أديب غانم الذي انطلق كما غالبية الرفاق من رحم “الكتائب اللبنانية” ليصبح لاحقاً ابن القوات. عرفته جبهات الشمال لما حاول السوريون اجتياحها واحتلالها، وكان مع رفاقه السد المنيع لهم. هناك في دده الكورة، التقى سمير جعجع للمرة الأولى، عندما كان الحكيم قائد جبهة الشمال، ومذ تلك اللحظة لم يفترقا، رافق الحكيم بكل خطواته ومعاً تعرضا لمخاطر كثيرة. لا ينسى رفاقه العام 1980 حين صعد والحكيم لتفقد جبهة العاقورة، وكانت مناوشات دائرة بين العاقورة ومنطقة اليمونة، فانفجر بهما لغم أرضي وأصيب والرفيق فوزي الراسي بجروح بالغة، قالوا يومها إن اديب لن ينجو ما لم تُبتر قدمه، وتمرّد على أوامر الأطباء، وعاد وبأعجوبة شُفي المقاتل الصلب.

في العام 1985 استلم الشرطة المدنية في جبيل، وصار من الحلقة الضيقة اللصيقة بالدكتور جعجع، “كان يعالج مشاكل جبيل والرفاق بكل حكمة وصبر ومحبة، رجل قوي عندو الهيبة والحضور والكل يحترمه”، يقول عنه صديقه سمعان طانيوس المعروف بغارو.

منسق الكورة السابق لم يقف يوماً عند منصب حزبي رسمي له، من خارج المنسقية ومن داخلها كان السند للجميع، “رجال صلب قد يبدو قاسياً أحياناً للبعض، لكنه متعلق بالنظام، قلبه طيب الى أبعد الحدود، لا يراوغ لا يبيع ولا يشتري باسم القضية ولو على قطع رأسه، واضح مباشر، أعطى عمره للقوات اللبنانية، وبقي بنشاطه السياسي حتى آخر انفاسه”، يقول غارو.

صياد ماهر، “بارودتو ما بتخرم” يقول عنه الرفاق، رفيق الجرود العالية، ورفيق البحر أيضاً، “كان عندما يأتي الى ضيعته زكرون، ينتظره الشباب في ساحة الكنيسة القريبة من منزله ويبقون عنده، كل الضيعة تكون شبه فارغة في الشتاء الا بيت أديب يبقى مفتوحاً للجميع، يراجعه الناس بقضاياهم ومن كل الانتماءات وهو يخدمهم من قلب قلبه. لم يفكر يوماً لا بالأموال ولا بالتجارة وما شابه، بل باع عقارات كان يملكها ليتمكن من العيش بكرامة، ابن قضية من قلب ورب، ندر حياته لأجلها، وأنا افتخر بصداقته”، يقول غارو.

“الرفيق أديب كان قمة الالتزام بفترة اعتقال الحكيم، وكان مرجعاً للجميع، كان هو دائماً الاب الصالح للكل، نستشيره في كل قضايانا، رجل كبير في قيمه، لا تهمه الماديات، القضية هي حياته وروحه، رفص فرصاً مادية كثيرة للحفاظ على القضية، وكان الحكيم وضع أملاكاً للحزب باسمه كي لا يسطو عليها الاحتلال السوري وعملائه، ولما خرج من الاعتقال، ردّ الامانة على الفور، رجل نبيل بكل ما للكلمة من معنى”، يقول منسق الكورة رشاد نقولا.

أبو راني أب لثلاث بنات وشاب ولديه ثمانية أحفاد، بطاقته الحزبية تحمل الرقم واحد. أصيب بالسرطان في رئتيه ثم انتشر الخبيث في أنحاء جسمه، لكنه بقي يقاوم حتى آخر اللحظات، “كان عندو إرادة الحياة، ويقول متل ما انتصرنا على أعداء لبنان أنا بدي أقهر هالمرض وانتصر عليه”، يخبر عنه غارو، ولم يستسلم، كان أمله كبيراً بأنه إذا قاوم سينتصر على المرض، ولم يحصل.

“جمعنا النضال المشترك والقضية، كل رفاقي هم واحد بالنسبة الينا وهؤلاء أمنّاهم على دمائنا، وأفتخر بصداقتي به على الرغم من فارق العمر، كان أخي الكبير، لكن ضيعان الأوفياء، حافظ على الأمانة بكل ما للكلمة من معنى، ولما كنا نيأس أو نغضب كان يقول لنا عقيدتنا أكبر بكثير من اللحظة، وعمر نضالنا 1500 سنة، نحن مقاومة من زمن يوحنا مارون”، يقول غارو ويذهب بأسى لوداع صديقه.

 

كلود شعنين

مناضل آخر من تلك الكورة المناضلة، سرقته فجأة غفلة الموت من بين عائلته ورفاقه، كلود شعنين، ابن رشدبين، المناضل القبضاي كما يصفه الرفاق. رئيس مركز الضيعة سابقاً، قبل أن يتولى لاحقاً حماية النائب فادي كرم، القواتي العتيق الذي دخل في الأشبال مذ كان في العاشرة من عمره، وفي عمر المراهقة حمل كما غالبية الرفاق بارودة المقاومة وشارك في معركة الكورة ضد الغرباء والمرتزقة. لم يتوقف هنا بل التحق بثكنة لبنان الجديد في بلدة دده الكورة، ثم استلم لاحقاً سلاح الاشارة في جبهة الشمال. شجاع لا يهاب أحداً ولا مواجهة، شارك في غالبية المعارك الى جانب الحكيم والرفاق، ومعاً خاضوا أقسى المواجهات، ولما انتهى زمن المتاريس، بقي حارساً أميناً للقضية، بقي كأنه شاب في العشرين، متحمساً، غاضباً أحياناً، قوياً، عاشقاً للقضية، مستعداً للمواجهة في أي لحظة.

“ملعون الموت كيف يخون صاحبه، الرفيق كلود مات بسكتة قلبية وهو بعد شاب، 65 سنة عمره، شجاع، قبضاي، مناضل قديم، مندفع دائماً لأجل قضيته، وحاضر لكل شيء، قد يغضب بسرعة أحياناً، لكن قلبه طيب وحنون، حزنت جداً لخبر موته”، يقول عنه منسق الكورة رشاد نقولا.

لما اعتقلوا الحكيم كأنهم اعتقلوا معه بعضاً كثيراً من كلود، غضب كثيراً وشعر بالضيق كما غالبية الرفاق، وبقي طيلة فترة الاعتقال في انتظاره، وكان متأكداً أن “الزعران” لن يتمكنوا من النيل منه، وأن الحكيم سيخرج أقوى من الجميع، وأن القوات ستنتصر، ولذلك نذر لربه أنه لما يتحرر الحكيم، سيصعد سيراً من ضيعته رشدبين الى الأرز، وهذا ما حصل.

هو أب لصبية وشابين، كلهم قوات ملتزمين، علّمهم روح الشباب الدائم والثورة التي لا تستكين مهما تقدم بالمقاومين العمر، لم يعترف يوماً بسطوة العمر بل بسطوة القلب والحب والالتزام. “لم يتراجع يوماً، بل على العكس، بقيت شعلته متقدة حتى آخر يوم من حياته، وروح الشباب تضج فيه، كلود كان كتلة معنويات وحماس وحركة، وكنا نضطر لتهدئته أحياناً لفرط حماسه، أحزن كثيراً لخسارة مناضلين مماثلين في “القوات اللبنانية”، هؤلاء إرث في البطولة والالتزام”، يقول رشاد.

يموت الرفاق إما استشهاداً وإما بنداء مفاجئ من الرب، يذهبون ويبقون هنا في سجل المقاومة مناضلون شرفاء عاشوا لأجل لبنان، وتبقى أسماؤهم وتاريخهم محفورين بالنار والنور في سجلات المقاومين التي لا تمحى.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل