
كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1746
هل هي لوحةٌ من لوحاتِ الصَّلبِ الثابتةِ المُثبَّتة على جملةِ الجَّزمِ والتأكيد :”ما كُتب قد كتبَ”، أم هي جغرافيًا مفروضة أن تكون مُختبَرًا لتركيبات كيمياء تعايشٍ وانصهار ووحدةٍ طالما كانت دماء الأبرياء هي نتيجة هذا الفحص المُجرَّبِ والمُجرِّبِ. من سنَّ وقوننَ وشرَّع بأن يخضع الأهالي الآمنين المُسالمين لهكذا مختبرٍ هو أقرب إلى مختبرات الأمراض السرطانية المُستعصية الشفاء إلاَّ في ما ندر، وهذه البيوت المنسوفة المحروقة المهدَّمة والأرزاق المقطوعة الأشجار وميراث الآباء والأجداد تشهد وتستشهد…
أبناء دين الغفران والمسامحة سبعين مرَّةً سبع مرات هل هم ضحايا طاعة معلّمهم يسوع في تلك الآية العصيَّةِ العقل والقلب: “من ضربكَ على خدَّك الأيمن فدر له الأيسر”؟ أم هم الأضاحي المفروضة لتربيةٍ وطنيَّة فيها من الرياء والدَّجل والغباء أكثر بكثيرٍ مما فيها من مثالياتٍ أشبه ببنات الخيال. أما يكفي المؤمنين الصّادقين بأعراف “الجار قبل الدّار” ما نكّبهم به هذا الإيمان المُعاش من طرفٍ واحد، وما كلَّفهم هذا الصِّدق اليتيم وأبواب بيوتهم تحوَّلت إلى صلبانٍ مسبيَّةٍ سبيَ صليب الرّب، وأيُّ عيشٍ واحد يا دُعاة فريضة هذا العيش العشوائي المُتبرِّج بطلاء العواطف المهترئة والنوايا العفنة، أيُّ عيشٍ يتمتَّع بذرَّة واقعيَّةٍ تواجهون به أسئلة عيشية 21 تشرين الأول 1976؟!
العيشيَّة القلعةُ المسوَّرة بالجباه الأبيَّةِ العاليّة والأقداس المُعطاة لرجالٍ أشدّاء لا ينام إيمانهم الحصين على ضيمِ المتخاذلين اليائسين، والمُعطاة لأمَّهاتٍ عيشيّات مباركات يربِّين أبناءهنَّ تربيةً مريميَّة لأمٍّ ربَّت وحيدها على أفعال المحبة والبشارة والفداء والصَّلب والقيامة. هي عيشيَّة السلام المُنزَّه عن أي إستسلام، والأمان الأسمى من توسُّل الأمان، هي عاشقة التلاقي المُتكافئ وعناق صدور الأوفياء للأوفياء من دون غدر خنجر الظَّهر.. هي عيشيّة رعية الأم العذراء التي تهجَّرت أول مرَّةٍ برفقة يوسفها إحتضانًا ليسوعهما من توحُّش أخلاق ملك اليهودية، سيدة الحبل بلا دنس لم تتردَّد لحظةً واحدة في مرافقة أبنائها العيشيين على دروب تهجيرهم وترحيلهم وسلخهم عن أعزِّ ما ورثوا وما امتلكوا وما عمَّروا وما عجنوا ترابهم بدمائهم، وما غرسوا آمالاً في جنائن العائدين حتمًا إلى أمانة أوقاف الأرض والديار!
دامس ليل 20 – 21 تشرين الأول 1976 أيُّ ظلامٍ مريع وظلمٍ مروِّع قد أطلقا وحش سِفرِ الرؤيا من النبؤة إلى الحقيقة. هو الوحش ذاتُه المتلبِّس بأشكال وأجناس أولئكَ المُرقَّطين ببدلات الإجرام الأشنع المُنقَّطين بالملامح الوحشية الحاقدة، المتلوِّنين بأخلاق الكواسر القاتمة، المُدجَّجة بأشداق تماسيح لم يسلم من افتراساتها لا رجلٌ وامرأة، لا شابٌ ولا فتاة، لا طفلٌ ولا شيخ.. وحثالة الدَّنس يُدنِّسون كلَّ مقدَّسات رعية الحبل بلا دنس من أهل وكنائس ومنازل وأعناق وأرزاق.. يا فجيعة حكايات وآيات مئة راحيل تبكي على بنيها!
ليل 20 – 21 تشرين الأول 1976 أوباشٌ رعاعٌ من سواد سحنات تلك المُسمّاة قوات مشتركة إنسلَّوا كالأفاعي من كلِّ جحرٍ ووكر وارتزاق من السَّفحِ والسَّحل والخراب، إحتشدوا وطوَّقوا عروسة العيشِ الأخوي السّاكنة عهود وأجيال جبل الريحان وبلاد الجرمق!
فجر 21 تشرين الأول 1976 فوهات مدافع وسيَبُ رشّاشات وبندقة بنادق تؤلِّف ترسانة زناديق “البيت لنا والقدس لنا” تفتحُ أشداقها السوداء لتصوّبها على “الأعداء الغاشمين” المُدافعين عن حدودهم العيشاوية الأربعة من شرقها إلى غربها، من شمالها إلى جنوبها بجرأةٍ نادرة تُرعب فرائص الموت وبسالةٍ جسورة تهزأ بفرائض الإستسلام، مِمَّا أنزل الخزي الدائم بشراذم “الفتح” و”الصاعقة” وشلل الثورجيات التي طالما استجدت مفاتيح أبواب بيوتها الهاربة منها بأسلوب سرقة مفاتيح وتخليع أبواب بيوتٍ حضنتها وآوتها واستضافتها وقاسمتها الدمعة والهم والرغيف.. ذلك اليوم المشحون بذاكراتٍ لن تُنسى وتتناسى حفَّر تاريخ جمعات لبنان العظيمة في مسامع شرق المسكونة وغربها ترتيل أمٍّ عيشياويَّة يخسف شمس الجُناة المحليين والإقلميين ويزلزل حجاب قصورهم وهيَّ تشدو وتردِّد مع الأم الواقفة عند أقدام صليب إبنها وعند أقدام صليب العيشية المكسور :”نا الأم الحزينة وما مَن يُعزِّيها!!”
21 تشرين الأول 1976 – 21 تشرين الأول 2023 سبعةٌ وأربعون عامًا عيشاويًا يمرُّ كل لحظةٍ ودقيقةٍ وساعةٍ ويومٍ وأسبوعٍ وشهرٍ وسنةٍ في عينيكَ يا رب. سبعٌ وأربعون سنة موسومةً بميرون كهنوت الرعاة الإستثنائيين الساهرين ليل نهار على أبواب بيوت رعيتهم وسياجها الأمين، وما زال كاهن رعية المباركة العيشية الخوري بولس العنيد يجمع أبناءه داخل حمى كنيسة سيدة الحبل بلا دنس المزنَّرة بمتفجرات الإبادة الجماعية ليعلن عليهم :إستعدوا يا أبنائي فها قد أتت الساعة النورانية التي سنرفع فيها دماءنا لتفيض في كأس حمل الله الذبيح شهادة للأمم.. إستعدوا يا فلذات أكبادي حين أستشهد وإياكم على مذهب إستشهاد أبينا البطريرك دانيال الحدشيتي الشهيد وأبينا البطريرك جبرائيل حجولا الشهيد وملكوت السماوات المفتوح لأسطفانوس أول الشهداء مفتوح لاستقبالنا اليوم!
سبعٌ وأربعون سنة وما زال المقدام بولس العنيد فخر الكهنة المقاومين يهرع إلى كل متراسٍ وبيتٍ وموقع صمودٍ يتلهَّف على كل جريحٍ ومصاب باحثًا عن شهداء أرض ورسالة العيشية الإثنين والخمسين لا ليعطيهم الحلَّة الأخيرة والغفران، فهم طوباويون قديسون مستشهدون بعيون مفتوحةٍ كوهج الشمس والعالم الذي تخلَّى عنهم هو المحتاج إلى حلَّتهم وغفرانهم!!
من مشموشة دير الأربعة والعشرين شهيدًا، إلى عيشية تشرين ذبيحة مؤمنيها الأبرار الصديقين المذبوحين من وريدهم إلى ورديتهم، إلى مغدوشة سيدة المنطرة المنتظرة عودة أبنائها من منافي حروب الثنائي قايين وقايين بين حاراتها وأحيائها وحرمات بيوتها وموارد أرزاقها.. وتبقين أنتِ يا بلاد جزين مدخل سيدة المعبور التي سقطَ العدل على مداخلكِ.. وتدومين أنتِ يا ربوع جزين مدينة السلام والصلاة وكنيسة البشارة والمهد والقيامة!!!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]