Site icon Lebanese Forces Official Website

طريق فلسطين لن تمرّ من لبنان مجدداً

إنّ القضيّة الفلسطينيّة هي من أسمى القضايا الانسانيّة والوطنيّة وحتّى القوميّة. لكنّ سوء إدارة هذه القضيّة ما فتئ يحطّ من شأنها في العالم. فمن غير المقبول اليوم، في الألفيّة الثانية للميلاد، أن يسحق شعب بهذه الطريقة، ويمنع عنه حقّه في تقرير مصيره في دولة سيّدة حرّة ومستقلّة. لكن هل يمكن أن يكون حقّ الشعب الفلسطيني على حساب شعوب المنطقة التي لا طاقة لها على احتمال أوزاره، ولا سيّما الدّولة اللبنانيّة؟

ممّا لا شكّ فيه أننّا لسنا بمعرض مناقشة شيطانيّة أفكار إسرائيل في سحق هذا الشعب. حيث يدرك تمامًا اليهود المتطرّفون أنّ نسبة ولادات الفلسطينيّين من غير اليهود، الذين يحملون الجنسيّة الاسرائيليّة، وهم في اللدّ وبئر السبع، ستفوق كثيرًا نسبة اليهود داخل إسرائيل. وذلك لن يكون ببعيد؛ إذ قد تتحقّق هذه النسب في العشرين سنة القادمة. ولقد وجد العقل الإسرائيلي فرصةً في قصف غزّة لتدميرها تدميرًا شاملاً، إضافةً إلى محوه عائلات فلسطينيّة من السجلات بعد مقتل أفرادها كلّهم؛ حيث نُقِل عن بعض المصادر الغزّاويّة المتابِعة أنّ أكثر من خمسين عائلة قد شُطِبَت من السجلات الفلسطينيّة. وباعتقادنا أنّ العمليّة البرّيّة كلّما تأخّرت أكثر ينجح الاسرائيلي بآلة قتله على محو المزيد من العائلات الغزّاويّة، مع عدم إغفاله الخطر الديمغرافي الذي يراه داخل إسرائيل.

إلى ذلك كلّه، يُضَافُ العامل النّفسي الذي تمّ سحقه سحقًا مشينًا في عمليّة طوفان الأقصى، حيث نجحت حماس بضرب صورة هيبة الجيش الذي لا يقهر، والموساد الذي يخطّط في العالم كلّه، ظهر عاجزًا عن كشف مخطّط حركة حماس. فهذا ما لن تقبل به إسرائيل. لذلك، برأينا، ستستمرّ بالتصعيد أكثر فأكثر لأنّها تدرك جيّدًا أنّ النّهاية ستكون على طاولة المفاوضات. والرّابح في الميدان هو الذي سيفرض شروطه التفاوضيّة. فحتّى الساعة حركة حماس، بغضّ النّظر عن الأضرار التي لحقت قطاع غزّة، هي بموقع المنتصِر. وهذا ما لن تقبَل به إسرائيل وحلفائها. فالجلوس على طاولة المفاوضات حتميّ، لكنّ المخطّط الاسرائيلي في هذه المرحلة قد يبدو غامضًا، لأنّه لم يحدّد سوى هدف واحد وهو الانتقام.

لذلك كلّه، ومن ضمن المخطّط الديمغرافي، قد يلجأ هذا العقل إلى عمليّة ترانسفير جديدة من غزّة أيضًا، إضافةً إلى الدّاخل الاسرائيلي، وذلك للحدّ من التمدّد الديمغرافي الذي استشعر خطره منذ أكثر من عشرين سنة. ويستثمر العقل الاسرائيلي في آلة قتله تمهيدًا لحماية مشروعه الاستيطاني في أرض فلسطين. إلّا أنّ أحداث غزّة قد كشفت أوراقًا كثيرةً في المنطقة، لعلّ أهمّها الورقة الايرانيّة التي تمارس اليوم التقيّة العسكريّة من خلال القتال أو الحرب التي تخوضها بغير أبنائها الايرانيّين. فالفلسطينيّون هم الذين يُقتَلون اليوم بدمٍ باردٍ، خدمةً للمشروع الايراني – الصفوي في المنطقة.

أمّا ما يهمّنا كلبنانيّين فهو الحفاظ على كرامة أبنائنا أوّلاً، عبر الحفاظ أوّلاً على سيادة الدّولة اللبنانيّة ثانيًا، ومن ثمّ مناصرة أيّ مظلوم في العالم. لأنّه لا يمكن القبول بتكرار تجارب التّاريخ التي دفعنا ثمنها أغلى شبابنا، للحفاظ على وطن الآباء والأجداد، عسى أن يعيش فيه أبناؤنا وأحفادنا من بعدنا بكرامة وحرّيّة. لكن بما أنّ إيران عبر منظّمة حزب الله نجحت بتحقيق الاحتلال السيادي في الدّولة اللبنانيّة بالكامل، عبر سيطرتها على القرار السيادي فيه، فلا بدّ من التفكير بطريقة جديدة، علّنا نستطيع أن نسلّم ما استلمناه من الآباء والأجداد بصورة أفضل. فلبنان السياديّ المقاوِم لهذا النوع من الاحتلال المقنّع، رافض أن يُزَجَّ في أتّون حرب محور الممانعة. وهو يناصر القضيّة الفلسطينيّة بكلّ ما أوتي من قدرات سياسيّة وإنسانيّة. ومستعدّ للعمل ليل نهار ليصل الشعب الفلسطيني إلى حقوقه، لكن ليس عبر المرور بلبنان، أو على حساب وجوديّة الدّولة اللبنانيّة. مخطئون هؤلاء الذين ما زالوا حتّى الساعة مؤمنين بأنّ طريق فلسطين تمرّ من عوكر، وعلى حساب الأملاك الخاصّة لذويهم اللبنانيّين!

كذلك من غير المقبول أن يتمّ الحديث عن أيّ عمليّات ترانسفير على حساب كرامة أهل أرض فلسطين كرمى لعيون الاسرائيليّين وإرضاءً لمصالح الغرب. الحلّ موجود في مبادرة بيروت للعام 2002، ولن يكون إلا بقيام الدّولتين، وليس بقيام إسرائيل وحسب. وللوصول إلى هذا الحلّ يجب الانطلاق أوّلاً من تحوّل لبنان من دولة ساحة ومحور إلى دولة محايدة تقدّم الدّعم الذي تحتاجه أي قضيّة في العالم، لكن بشرط الحفاظ على جوهر وجود الدّولة اللبنانيّة، بسيادتها على مؤسّساتها وقواها الأمنيّة والعسكريّة، وقرار الحرب والسلم فيها.

من هنا، على النّوّاب الذين تكتّلوا في نواة معارضة سياديّة ثلاثينيّة صلبة التوجّه بمذكّرة واضحةٍ وصريحة يطالبون فيها الأمم المتّحدة بإعلان حياد دولة لبنان ال 10452 كلم2؛ بما في ذلك، الضغط على الدّولة السوريّة لتقديم أوراق ثبوتيّة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا؛ وإن تعذّر ذلك، فلتعلَن هذه المنطقة بالتحديد، منطقة منزوعة السلاح، ولتكن تحت سلطة وصاية الأمم المتّحدة حصرًا، وليمنع فيها أيّ تواجد أمني أو عسكري لغير قوات الأمم المتّحدة.

وعندما يتحقّق حياد لبنان عبر مذكّرة سياديّة وقرار أمميّ، تتعطّل وجوديّة أي سلاح غير شرعي، ويصبح لبنان كلّه بحكم إعلان حياده دولةً منزوعة السلاح؛ إلا من يد الجيش الوطني فيه، المولج وحده بالتصدّي لأيّ اعتداء قد يطاله من خارج الحدود. وتنصرف عندها القوى الأمنيّة الدّاخليّة لضبط إيقاع أي نزاع داخلي – داخليّ قد يقع بين مكوّنات المجتمع اللبناني. ويصبح لبنان بحياده المكان الوحيد الآمن القادر على قيادة مشروع حلّ الدّولتين للقضيّة الفلسطينيّة.

هكذا فقط، تُصَانُ القضيّة الفلسطينيّة وتصل إلى الهدف الوجودي الأساسي، ألا وهو الدّولة الفلسطينيّة. ويتمّ المحافظة على استقرار لبنان كدولة محايدة وسيّدة وحرّة ومستقلّة؛ تتحرّر من أدران المصالح الإقليميّة والدّوليّة لنستطيع أن نسلّم لبنان الجديد إلى أولادنا وأحفادنا من بعدنا. والويل لنا إن سلّمْنا، ما اسْتلمْنا، كما اسْتلمْنا !

Exit mobile version