Site icon Lebanese Forces Official Website

الخلل البنيوي في “التفاهم”

في غمرة إقدام إيران ووراءها “حزب اللّه” على توريط لبنان في حرب غزة، ولو بشكل محدود ومضبوط حتى الآن، لا بدّ من العودة إلى وثيقة “التفاهم” الموقعة في ٦ شباط ٢٠٠٦ بين العماد ميشال عون والسيد حسن نصراللّه، لما لها من آثار خطيرة ومفاعيل مدمّرة للسيادة اللبنانية، بل لكيان الدولة والوطن في مرتكزاتهما، ولما فيها أيضاً من خلل على العلاقات بين المكونات وعلى التوازنات الوطنية السليمة.

هذه العودة فرضها سببان:

الأول هو الارتباط المباشر بين هذه “الوثيقة” ، خصوصاً في أخطر بنودها (البند العاشر الأخير)، وبين وقائع الأزمة اللبنانية المتمادية وصولاً إلى ما يحصل اليوم في الجنوب.
والثاني هو صدور تحليلات ومقالات وقراءات تحجب خطورة هذا البند وتموّهه بعبارة أو أكثر غائمة أو غامضة، غافلةَ قصداً، أو جهلاً ربما، عن الأفخاخ القاتلة في النص.
لذلك وجب التذكير بكل ما فنّدناه وفكّكناه مراتٍ عدة كتابةً وقولاً في البند المذكور، ولو بتكثيف:

اللافت أن هذا البند ورد تحت عنوان لافت هو “حماية لبنان وصيانة استقلاله وسيادته”، ويكتفي بذكر سلاح “حزب اللّه” لهذه المهمة الوطنية، ويغيّب بشكل فاقع أي ذكر للجيش اللبناني، بما يعني التسليم بمهمة حماية لبنان ل”الحزب” وحده، مع إشارة غامضة إلى وضع استراتيجية دفاعية، وكأنها عبارة تجميلية لا أكثر.
والأشد خطورة أن هذا البند يربط السلاح بحدّين غير واضحَين هما:

“مبررات الاجماع الوطني” على السلاح،
و”تحديد الظروف الموضوعية” لانتفاء حمله!
فما معنى مبررات الاجماع الوطني، ومَن يبت بالظروف الموضوعية لانتفاء حمله؟
وتزداد الخطورة بربط بقاء سلاح “حزب اللّه” بزوال “الأخطار الإسرائيلية”، وليس فقط بتحرير مزارع شبعا والأسرى لدى إسرائيل، فكيف يتم تقدير هذه الأخطار ومتى تنتهي، ومَن هي الجهة التي ترى وتقرر انتهاءها؟

في حقيقة “التفاهم” وهدفه أن “حزب اللّه” استدرج “شريكه”، بعد بنود ومقدمات ترويجية عن الاصلاح وبناء الدولة والمبعدين والعلاقات مع الفلسطينيين وسوريا (لم يتم تنفيذ أي بند منها)، إلى فخ التوقيع على البند العاشر الذي يُطلق حرية سلاحه إلى مدى غير منظور، وغير مضبوط ضمن شروط واضحة وحاسمة، مع تعمّد وصفه ب” الوسيلة المقدّسة”، والإصرار على تسميته باسمه “سلاح حزب اللّه” وليس “سلاح المقاومة” مثلاً، وذلك لغاية مكتومة تستبطن حصرية هذا السلاح وتفرده.

وكل هذا تمّت ترجمته على مدى ١٧ عاماً من عمر “الورقة”، سواءٌ في حروب الداخل والغزوات وكسر التوازنات السياسية في الحكم والحكومة والمجلس واستباحة الإدارات والمؤسسات خصوصاً القضاء والأمن، أو في حروب الخارج من سوريا إلى العراق واليمن وسواها، وصولاً اليوم إلى مصادرة قرار الدولة في الحرب.
واللافت أن “التيار العوني”، وبرغم كل انزعاجه من “حزب اللّه” لعدم دعمه في مكتسبات السلطة والرئاسة العتيدة بعدما ولّاه سنوات، غير قادر على الإفلات من كمّاشة البند العاشر، ويحاول تغطية عجزه بتكرار عبارة “التحالف الاستراتيجي” والتي تعني فقط تغطية سلاح “الحزب” في كل حالاته ووظائفه.
والدليل ما يحصل اليوم، حيث لا تجرؤ قيادة “التيار” على مطالبة نصراللّه بعدم توريط لبنان، بل تكتفي بحركة فولكلورية وعناوين عامة خاوية تحت مسمّى “الوحدة الوطنية لحماية لبنان”، تهرّباً من المطالبة بتنفيذ القرار ١٧٠١ وسحب جميع المسلّحين من منطقة عمليات ال”يونيفل” والجيش اللبناني في الجنوب.
فأي وحدة، وسلاح “حزب اللّه” جاهز لتنفيذ الأمر الإيراني انكفاءً أو إقداماً؟

وأي وحدة، والاحصاءات العلمية تُجمع على أن أكثر من ٧٥٪ من اللبنانيين يرفضون التورط في الحرب، بينما “الحزب” يرضخ لما تريد طهران على وقع تطورات غزة، وليس على وقع إرادة الناس؟

وأي وحدة، مع استمرار بعض القوى السياسية، وتحديداً “التيار العوني”، في تغطية سلاح يجر لبنان إلى مأساة جديدة، غير آبهة بالأكثرية الوازنة والمعارضة شعبياً وسياسياً لدى معظم الطوائف والأحزاب؟

هذا ما جناه “تفاهم مار مخايل” وما زال.

وأي محاولة جدية لإعادة بناء الدولة يجب أن تبدأ بمعالجة الخلل الكياني والبنيوي الذي تسبب به، بعيداً من المزايدات والعواطف.

Exit mobile version