#dfp #adsense

القضية الفلسطينية.. حصان طروادة أم قميص عثمان

حجم الخط

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1746

القضية الفلسطينية من لبنان إلى غزة:

حصان طروادة أم قميص عثمان؟

 

يحفل الشرق الأوسط بمعادلات فريدة تجمع بين المستحيل الجيد والممكن السيئ. فالأكراد على تنوّعهم، هم عمليًا شعب واحد يتجاوز عدد أفراده الموزعين بين تركيا والعراق وإيران وسوريا ثلاثين مليون نسمة، وعلى رغم تاريخهم وبأسهم في القتال، واتساع رقعة انتشارهم، لم يتمكنوا أو لم يُسمح لهم بوطن قومي أو بكيان يتمتعون فيه بالحرية، باستثناء الواقع النسبي المتمثل بالحكم الذاتي في كردستان العراق، ولذلك يصح القول إن الشعب الكردي هو من الشعوب النادرة التي لا وطن لها، أو على الأقل لا تملك حق تقرير المصير، لأسباب عدة، بينها وجودهم عند مفصل صراع لا ينتهي بين الترك والفرس والعرب.

أما الشعب الفلسطيني، فحتى الآن ليس لديه دولة مستقلة وناجزة، علمًا أن فلسطين ككيان سياسي لم تكن يومًا أمرًا واقعًا، ولكن من الطبيعي أن تكون من جملة الدول التي نالت استقلالها بعد مرحلة الانتداب البريطاني.

صحيح أن الإنكليز ومعهم العالم الغربي ساهموا في ولادة دولة إسرائيل بحجج مختلفة، لكن الصحيح أيضًا أن الفلسطينيين ومعهم العرب يتحمّلون مسؤولية وصول القضية الفلسطينية إلى الحالة الراهنة، بعدما أضاعوا فرصًا عدة لحلول واقعية وجيدة قياسًا للمعادلة الحالية.

ومن الأخطاء، بل الخطايا المميتة، محاولة منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات الاستيلاء على لبنان كوطن بديل، تأسيسًا على اتفاق القاهرة، الذي كرّس حقاً غير شرعي وغير مشروع للفدائيين الفلسطينيين بالتصرف في لبنان كساحة مستباحة للانطلاق من أراضيه بهدف تنفيذ عمليات عسكرية على الحدود وفي داخل إسرائيل، وصولاً إلى إطلاق الحرب على المسيحيين تحت غطاء دعم مطالب المسلمين بشراكة أكبر في السلطة. ولم تكن العبارة الشهيرة لأبو أياد: “طريق القدس تمر في جونيه” إلا تجسيدًا وقحًا لطموح المنظمة لوضع اليد على لبنان.

ولذلك بدا أن لبنان شكل ساحة مستباحة أيضًا للقوى الإقليمية لتصفية حساباتها مع أبو عمار، بعدما حوّل لبنان إلى مسرح لرهاناته الكبرى. فاجتاحت إسرائيل لبنان وانتهى الأمر بطرد عرفات وقيادات المنظمة وقوتها العسكرية الرئيسية من لبنان، بعدما تولّى حافظ الأسد قبلها تحجيم المنظمة نسبيًا بحجة التدخل لوقف الحرب الأهلية في لبنان.

وفي عودة لبداية الصراع على أرض فلسطين، أو أرض إسرائيل بحسب اليهود، أو الأراضي المقدسة بحسب التسمية المسيحية، فإن المؤتمر الصهيوني العالمي الذي انعقد في مدينة بازل السويسرية العام 1897 كان التجلّي الأبرز لفكرة وطن قومي يهودي على أرض فلسطين، على أنها أرض الميعاد، وهذا ما سعى إلى بلورته عمليًا أحد أبرز قادة الحركة الصهيونية تيودور هرتزل، ليتم إطلاق مؤسسات تخصصية عدة هدفها نقل اليهود الى فلسطين وتنظيمهم وتمويلهم وتسليحهم تحت مظلة الوكالة اليهودية، ليتكرّس رهان الحركة الصهيونية بالوعد الشهير الذي أطلقه أرثر بلفور وزير الخارجية البريطاني العام 1917 لقادة الاتحاد الصهيوني والمجتمع اليهودي في بلاده ببذل أقصى الجهود لإقامة الوطن القومي الموعود لليهود.

حاول الفلسطينيون المقاومة في مراحل عدة، وصولاً إلى المرحلة الأبرز بين العامين 1935 و1948، والتي كان عز الدين القسام أبرز رموزها، علما أنه قُتل في بدايتها، وهو من أصل سوري شارك في ثورة العلويين على الانتداب الفرنسي في العام 1920 قبل أن ينتقل إلى فلسطين، لتتبنّى حركة حماس تسمية جناحها العسكري باسمه.

والمفارقة أن حل الدولتين طُرح أكثر من مرة، ورفضه الفلسطينيون بالدرجة الأولى والعرب أكثر من مرة، لتتراجع العروض تدريجًا، وصولاً إلى تنصّل بنيامين نتانياهو من التسليم بفكرة حل الدولتين بعد موافقة مبدئية.

لقد عرض البريطانيون حل الدولتين لأول مرة في العام 1937 من قِبل ما عُرف بلجنة بيل، لتتولّى الجمعية العمومية للأمم المتحدة طرحًا آخر لحل الدولتين من خلال القرار 181 الصادر في تشرين الثاني من العام 1947، على أساس تقسيم فلسطين بين العرب واليهود، مع كيان مستقل للقدس برعاية دولية، وكان الطرح في حينه يلحظ أراضي أوسع من الضفة الغربية وقطاع غزة، وتشمل جزءًا كبيرًا من الجليل ويافا وبعضًا من صحراء النقب، فرفض العرب الطرح، ليعلن البريطانيون نهاية انتدابهم ويعلن اليهود قيام دولة إسرائيل واندلاع حرب شرسة انتهت بالهدنة في العام 1949 مع سيطرة اليهود على معظم الأراضي الفلسطينية، بما يزيد عما لحظه أساسًا القرار 181 .

ويعتبر كثيرون أن قرار مجلس الأمن الدولي الصادر في العام 1967 بعد حرب حزيران، يحمل في طياته حل الدولتين، علمًا أن حرب السادس من تشرين الأول 1973 لم تغيّر في المعادلة كثيرًا، بل فتحت الباب أمام الخيارات السلمية، بشكل بدا معه أن القضية الفلسطينية في تراجع تدريجي.

وقد كرّس مؤتمر مدريد للسلام المنحى التفاوضي على قاعدة الأرض مقابل السلام، وانتهى الأمر إلى اتفاق أوسلو العام 1993 الذي اعترفت بموجبه منظمة التحرير الفلسطينية بدولة إسرائيل، مقابل اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير كممثل وحيد للشعب الفلسطيني مع إقرار سلطة فلسطينية في إطار حكم ذاتي موقت في انتظار الحل النهائي.

وفي العام 1998 برزت خطوة إعلان دولة فلسطين، وهو إعلان بقي موضع أخذ ورد وضبابية، علمًا أن اتفاق أوسلو أقر بدولة فلسطينية بحلول العام 1999.

ولعل مبادرة السلام العربية التي تبلورت في مؤتمر القمة العربية التي انعقدت في بيروت في حزيران 2002 كانت الأوضح على صعيد الموقف العربي، بالدعوة إلى دولة فلسطينية فعلية وناجزة السيادة، مقابل التسليم بعلاقات طبيعية مع إسرائيل بعد انسحابها من الأراضي المحتلة.

وما حصل أن إسرائيل انسحبت في العام 2005 من قطاع غزة لتتركه في قبضة حركة حماس، بعد انسحابها من الجنوب اللبناني في العام 2000، فيما استمرت تحتل الجولان وتمسك بالضفة الغربية والقدس الشرقية وتتحكم بالحدود على ضفاف نهر الأردن، مع تصعيد حركة الاستيطان، وارتفاع عدد المستوطنين إلى نحو 700 ألف.

في الأساس، حركة حماس ومعها الجهاد الإسلامي يرفضان حل الدولتين وتاليًا التفاوض مع إسرائيل على تكريس حدود العام 1967، ويعود موقفهما إلى جذور جبهة الرفض التي تطورت من عنوان الصمود والتصدي إلى محور الممانعة، لكن اللافت أن الحرب في غزة وحولها اليوم، تكرر ظاهرة جعل لبنان الضحية الدائمة للحسابات الإقليمية لا سيما لدى محور الممانعة، ففي كل عرس فلسطيني دامٍ للبنان قرص مغمس بالدم والمعاناة، طالما أن ثمة فريقاً يستغل القضية الفلسطينية لتوسيع هيمنته تحت لواء الجمهورية الإسلامية، ودائمًا على حساب لبنان واللبنانيين.

 

أنطوان مراد ـ مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل